تحديات معقدة تواجه تنفيذ المناطق التجريبية في جنوب لبنان

تفتح الجهود لتنفيذ المناطق التجريبية في جنوب لبنان ملفات قانونية وأمنية معقدة تتجاوز مجرد الانسحاب والانتشار العسكري، لتشمل قضايا حرية التنقل والعودة، وصلاحيات الجيش اللبناني، وآليات التحقق من خلو المناطق من الأسلحة، والدور الخارجي في التنفيذ. وبينما يُفترض أن تشكل هذه الخطوة اختباراً لاستعادة الدولة سيطرتها، فإن تفاصيلها غير المحسومة تثير تساؤلات حول الضمانات التي تمنع استخدام أي خلاف كذريعة لتأخير الانسحاب أو الإبقاء على الوجود العسكري الإسرائيلي.
قال مصدر محلي إن المرحلة التجريبية لن تُختبر ميدانياً فقط، بل ستواجه تحديات قانونية وأمنية معقدة، لأن الكثير من تفاصيلها لا يزال غير محسوم. وأوضح أن أبرز الإشكاليات تتعلق بكيفية التعامل مع المنتمين إلى حزب الله الذين يملكون منازل داخل المنطقة، وما إذا كان سيُسمح لهم بالبقاء ما داموا لا يمارسون نشاطاً عسكرياً.
وأضاف أن الإشكاليات تمتد أيضاً إلى المنتمين للحزب القادمين من بلدات أخرى، وإلى المدنيين الراغبين في الاستئجار أو الإقامة، في ظل غياب آليات واضحة للعبور والتفتيش والإقامة. وأشار إلى أن تفتيش الأملاك الخاصة أو التحقق من خلوها من الأسلحة يبقى من أكثر الملفات حساسية، لما يثيره من إشكاليات قانونية تتطلب، وفق الأصول، أذونات قضائية، فيما لا تزال آلية معالجته غير واضحة.
بدوره، قال العميد المتقاعد بسام ياسين إن الحديث عن المناطق التجريبية يجب ألا يُفهم على أنه منع لأبناء القرى من العودة إلى منازلهم بسبب انتماءاتهم السياسية، بل يقتصر على إزالة المظاهر العسكرية والسلاح. وأوضح أن المقصود أن تكون هذه المناطق خالية من المسلحين والمراكز العسكرية والمواقع القتالية ومخازن الأسلحة، وليست خالية من السكان. وأضاف: لا أعتقد أن الهدف هو منع أصحاب الأرض وأبناء القرى من العودة إلى منازلهم إذا كانوا من مناصري حزب الله أو منتسبين إليه، فهذا طرح غير واقعي، لأن عدداً كبيراً من أبناء الجنوب ينتمون إلى الحزب.
وأشار ياسين إلى أن التجربة الأولى في فرون والغندورية لا يُتوقع أن تواجه صعوبات كبيرة، نظراً إلى وجود الجيش اللبناني فيها وانتشاره داخلها، بينما تختلف الظروف في المنطقة الثانية، حيث لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر عليها بالنار ويحتفظ بوجود ميداني فيها، ما يجعل دخول الجيش اللبناني إليها جزءاً أساسياً من مرحلة التنفيذ. ورأى أن الإشكاليات الفعلية قد تبدأ إذا توسعت التجربة إلى مناطق تضم مواقع عسكرية أو بنى قتالية للحزب، مثل مرتفعات علي الطاهر، حيث ستبرز أسئلة أكثر تعقيداً حول كيفية تسلّم الجيش اللبناني هذه المواقع ومعالجة ما قد يكون موجوداً فيها من بنى عسكرية أو مخازن أسلحة.
وفيما يتعلق بعودة السكان، أوضح ياسين أن المشكلة لا تكمن في انتماءات الأهالي، بل في الآلية التي قد تعتمدها إسرائيل لربط العودة باستكمال الإجراءات الأمنية.
قال النائب السابق والعميد المتقاعد وهبي قاطيشا إن التحديات التي تواجه تنفيذ المناطق التجريبية في جنوب لبنان لا ترتبط بالترتيبات التقنية بقدر ما ترتبط بسلوك طرفي الصراع، أي إسرائيل وحزب الله. معتبراً أن نجاح التجربة مرهون بوجود إرادة فعلية لدى الجانبين للالتزام بما تم الاتفاق عليه. وأضاف: السؤال الأول هو ما إذا كانت إسرائيل تملك النية لإنجاح هذا المسار، سواء عبر المفاوضات التي تجري بوساطة أميركية أو على المستوى الميداني، لأنها تستطيع في أي وقت أن تبرر فتح النار أو تنفيذ عمليات عسكرية بذريعة وجود تهديد أو نشاط داخل المنطقة.
ورأى قاطيشا أن التحدي الأهم يبقى موقف حزب الله، إذ يجب معرفة ما إذا كان يريد فعلاً إنجاح المناطق التجريبية، وما إذا كان مستعداً للتخلي عن الدور الذي يؤديه ضمن المشروع الإيراني، أو أنه سيعمل على عرقلة هذه التجربة بما قد يؤدي إلى خلق إشكالات تعطل تنفيذها. وأوضح قاطيشا أن طبيعة المواجهة في جنوب لبنان تجعل تطبيق الترتيبات أكثر تعقيداً، لأنها ليست حرباً كلاسيكية بين جيشين نظاميين يلتزمان بقواعد واضحة، بل هي مواجهة مع تنظيم لا يعمل وفق الأساليب التقليدية، إذ يمكن لعناصره أن يكونوا مدنيين في وقت، ثم يعودوا إلى ممارسة العمل العسكري في وقت آخر، وهو ما يطرح تحديات كبيرة أمام أي آلية للتحقق من خلو المناطق من النشاط المسلح.
وأضاف: الإشكالية الأساسية تكمن في كيفية ضمان عدم عودة السلاح بعد نزعه، فإذا تمكَّنت الدولة من إخلاء القرى من الأسلحة ومنع إدخال أي سلاح إليها، فستكون تلك خطوة كبيرة يمكن البناء عليها وتوسيعها. أما إذا جرى تسليم السلاح شكلياً ثم عاد حمله مجدداً، فإن التجربة ستفقد جدواها، ولن يكون ممكناً تحقيق أهدافها الأمنية.
ترى أستاذة العلوم السياسية، الدكتورة ليلى نقولا، أن تنفيذ المناطق التجريبية يواجه تحديات سياسية وأمنية وقانونية. وقالت إن التحدي الأول يتمثل في التشكيك الإسرائيلي بقدرة الجيش اللبناني، رغم انتشاره في هذه المناطق. والثاني في استمرار الحرب وغياب ضمانات تمنع استئناف العمليات الإسرائيلية. فيما يكمن التحدي الثالث في مكان تنفيذ التجربة؛ إذ يُفترض أن تبدأ من أراضٍ تحتلها إسرائيل فعلياً، تنسحب منها وتسلمها للجيش اللبناني، لا من مناطق غير محتلة تُفرض عليها ترتيبات أمنية استثنائية.
وفيما يتعلق بالحديث عن منع وجود أشخاص مرتبطين بحزب الله داخل المناطق التجريبية، أكدت نقولا أنه لا يوجد في القانون اللبناني أو القانون الدولي ما يمنع المواطن من الإقامة في أرضه أو العودة إلى منزله، حتى لو كان من أبناء بلدة أخرى أو يملك منزلاً أو عقاراً فيها. كما اعتبرت أن دخول الأملاك الخاصة يطرح إشكالية قانونية، لأن دخول المنازل والعقارات يحتاج، وفق الأصول، إلى إذن من النيابة العامة.







