كيف أعادت كوريا الجنوبية صياغة قواعد اللعبة في عالم الذكاء الاصطناعي؟

في خطوة تاريخية أعادت رسم خريطة النفوذ الرقمي عالمياً، أعلنت كوريا الجنوبية عن دخول "قانون الذكاء الاصطناعي الأساسي" (AI Basic Act) حيز التنفيذ الكامل، لتصبح بذلك أول دولة في العالم تطبق تشريعات شاملة تنظم هذه التكنولوجيا المتسارعة، متفوقةً في جدولها الزمني على كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ويأتي هذا القانون كاستجابة مباشرة للمخاوف المتزايدة من انتشار المحتوى المضلل و"التزييف العميق" (Deepfake)، حيث يضع إطاراً قانونياً واضحاً يوازن بين تحفيز الابتكار وحماية المجتمع.
ما هي بنود القانون الجوهرية؟
يعتمد القانون الكوري نهجاً "قائماً على المخاطر"، حيث يركز ثقله التنظيمي على المجالات الأكثر حساسية، وأبرز بنوده:
علامات مائية إلزامية لكشف التزييف: بات لزاماً على كافة الشركات (مثل OpenAI وGoogle) دمج علامات مائية رقمية غير مرئية في جميع الصور والفيديوهات والملفات الصوتية التي يتم إنتاجها بواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدي. هذه "البصمات التقنية" تتيح كشف المحتوى المولد آلياً بسهولة، مما يضع حداً لعمليات التلاعب بالحقائق.
رقابة مشددة على الأنظمة "عالية التأثير": صُنّف الذكاء الاصطناعي المستخدم في مجالات حيوية مثل الرعاية الصحية، الطاقة، والخدمات المالية كأنظمة "عالية التأثير". هذه الأنظمة تتطلب تقييمات سلامة دورية وإشرافاً بشرياً مباشراً لا يمكن للآلة تجاوزه.
الشفافية المطلقة مع المستخدم: يجب على مقدمي الخدمة إخطار المستخدم بوضوح أنه يتفاعل مع ذكاء اصطناعي، خاصة في خدمات الدردشة الآلية والدعم الفني.
المساءلة عبر "التمثيل المحلي": يفرض القانون على الشركات الأجنبية العملاقة تعيين ممثل قانوني داخل كوريا الجنوبية، ليكون مسؤولاً أمام القضاء عن أي خروقات للبيانات أو انتهاك للخصوصية.
الأثر العالمي: كيف غيرت "سول" قواعد اللعبة؟
تأثير هذا القانون يتجاوز حدود كوريا الجنوبية ليفرض واقعاً جديداً على الساحة العالمية:
- كسر احتكار "بروكسل" للتشريع: لسنوات، كان الاتحاد الأوروبي هو من يضع القواعد الرقمية للعالم. كوريا الجنوبية، بسبقها في التنفيذ، قدمت نموذجاً أكثر مرونة وسرعة، قد تجده دول آسيا والشرق الأوسط أكثر جاذبية من النموذج الأوروبي "المعقد".
- فرض معايير تقنية عالمية: عندما تلتزم شركات التكنولوجيا الكبرى بالمعايير الكورية (مثل العلامة المائية) للعمل في سوقها الضخم، فمن المرجح أن تطبق هذه المعايير على منتجاتها عالمياً، مما يجعل من "سول" المحرك الفعلي للمعايير التقنية الجديدة.
- التموضع كقوة ثالثة: من خلال هذا القانون، تضع كوريا الجنوبية نفسها كـ"قوة ثالثة" في الصراع التكنولوجي بين أمريكا والصين، مقدمةً نموذجاً ديمقراطياً منظماً، بعيداً عن الرقابة الصينية المطلقة أو التحرر الأمريكي المفرط.
التحديات والانتقادات
رغم الإشادة الواسعة، يواجه القانون تحديات، أبرزها تكاليف الامتثال التي قد ترهق الشركات الناشئة، والخوف من أن تؤدي القيود إلى إبطاء سرعة الابتكار مقارنة بالدول التي لا تفرض قيوداً. كما أن تقنية العلامات المائية نفسها لا تزال قابلة للاختراق.
لكن رغم ذلك، يرى المراقبون أن قانون الذكاء الاصطناعي الكوري ليس مجرد حزمة تشريعات، بل هو إعلان عن رغبة البشرية في استعادة السيطرة على أدواتها. لقد كتبت "سول" الفصل الأول في كتاب قوانين المستقبل، وعلى بقية العالم الآن أن يقرأ بعناية.







