"ليبيا الموحدة نفطياً".. كيف تكرس زيارة مستشار ترمب الانقسام السياسي؟

خلّفت الزيارة التي قام بها مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، إلى طرابلس وبنغازي، موجة من التساؤلات والهواجس في الأوساط السياسية الليبية، خاصة بعد أن تُوجت بتوقيع اتفاقية نفطية ضخمة، مما عزز المخاوف من أن واشنطن تدير "ملف مصالح" بدلاً من دعم "مشروع دولة".
ماذا حدث خلال الزيارة؟
تحرك بولس بين شطري ليبيا المنقسمة، مركزاً على ملفين رئيسيين:
- في طرابلس (الغرب): التقى رئيس حكومة "الوحدة" عبد الحميد الدبيبة، حيث جرى توقيع اتفاقية نفطية طويلة الأمد مع شركتي "توتال إنرجيز" الفرنسية و"كونوكو فيليبس" الأمريكية، باستثمارات تتجاوز 20 مليار دولار.
- في بنغازي (الشرق): التقى بالقاسم حفتر، مدير "صندوق التنمية وإعادة الإعمار"، ونائب قائد "الجيش الوطني" الفريق صدام حفتر، لبحث آليات التنسيق والإعداد لمنتدى اقتصادي أمريكي-ليبي.
هذه التحركات المتوازنة فسرت على أنها حرص أمريكي على بناء علاقات مع كافة القوى الفاعلة لضمان بيئة آمنة للاستثمارات، والأهم، الحد من نفوذ المنافسين، وعلى رأسهم روسيا.
لماذا تثير الزيارة الهواجس؟
يرى محللون وسياسيون ليبيون أن إعطاء الأولوية المطلقة لـ "الصفقات الاقتصادية النفطية والملفات الأمنية" يأتي على حساب العملية السياسية، ويثير عدة مخاوف جوهرية:
تكريس الانقسام: يرى عضو مجلس النواب سليمان سويكر أن هذا النهج "لا يفتح أفقاً لتسوية سياسية حقيقية، بقدر ما يكرس واقعاً قوامه ليبيا المنقسمة سياسياً، الموحدة نفطياً، والمنضبطة أمنياً". هذا "الهدوء المؤقت" قد يؤسس لأزمة طويلة الأمد، ويحول ليبيا إلى "ملف مصالح" تُديره القوى الدولية.
تأجيل الحل السياسي: يعتبر المحلل السياسي صلاح البكوش أن الزيارة "أعادت إنتاج المقاربة الأمريكية ذاتها"، التي تركز عملياً على الاقتصاد والأمن، مع تكرار "حديث بروتوكولي" عن دعم الانتخابات دون اهتمام فعلي بها أو بتشكيل حكومة موحدة جديدة.
استغلال ضعف الأطراف الليبية: يصف أستاذ العلاقات الدولية إبراهيم هيبة الزيارة بأنها "فرصة لواشنطن لتعظيم مصالحها الاقتصادية في ظل توظيفها للانقسام القائم". ويرى أن "ضعف القوى الليبية دفعها إلى تلبية الشروط الأمريكية"، مما أتاح توقيع اتفاقيات طويلة الأمد قد يصعب تعديلها مستقبلاً.
هل هناك مكاسب ليبية؟
في المقابل، يرى آخرون جوانب إيجابية، وإن كانت نابعة من المصلحة الأمريكية. فيشير هاني شنيب، رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأمريكية-الليبية، إلى أن عودة الشركات الأمريكية الكبرى "تمثل تحولاً مهماً في تبديد صورة الفوضى الأمنية"، مما قد يشجع دولاً أخرى على الاستثمار ويرفع الإنتاج النفطي.
ويبدو أن هناك "موافقة ضمنية" من القوى الفاعلة في الشرق على هذه الاتفاقيات، بدليل غياب أي اعتراضات علنية وازنة كانت تصاحب أي اتفاق تعقده حكومة الدبيبة في السابق.
في المحصلة، تبدو المقاربة الأمريكية الجديدة وكأنها تتعامل مع الخلاف السياسي كـ"ملف طويل الأمد" تم ترحيله، لصالح تحقيق استقرار اقتصادي وأمني يخدم مصالحها أولاً، ويمنع انهيار الدولة الليبية بالكامل، تاركاً أسئلة السيادة والدولة الموحدة والانتخابات معلقة إلى أجل غير مسمى.







