تحديات توحيد الجيش الليبي تحت المبادرة الأميركية

تتجه الأنظار نحو الملف الأكثر تعقيداً في ليبيا وهو توحيد المؤسسة العسكرية، وسط انشغال الطبقة السياسية بالأسماء المتداولة لتولي رئاسة المجلس الرئاسي والحكومة. تأتي هذه التطورات في ظل المبادرة الأميركية التي تهدف إلى إعادة توحيد السلطة في البلاد المنقسمة منذ سقوط نظام العقيد القذافي.
وأضاف وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، أن توحيد الجيش يمثل أولوية قصوى خلال لقائه مع نائب قائد «الجيش الوطني» الليبي، الفريق أول صدام حفتر. وأكد على أهمية هذه المبادرة في ظل الانقسام العسكري المستمر، حيث تمتلك القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» في شرق ليبيا هيكلاً عسكرياً واضحاً، بينما يعتمد المشهد في غرب البلاد على تشكيلات متعددة.
وأظهر المحلل السياسي، عمر بوسعيدة، أن الإدارة الأميركية تتعامل مع ملف توحيد الجيش من زاوية تختلف عن السجال السياسي الداخلي. موضحاً أن الطبقة السياسية لا تزال منشغلة بهندسة المسميات وتوزيع المناصب، بينما تركز واشنطن على إعادة هيكلة موازين القوة على الأرض.
ووفقاً لبوسعيدة، فإن الولايات المتحدة أبدت التزاماً سياسياً واضحاً بدعم توحيد المؤسسة العسكرية كأحد المسارات الأربعة التي طرحها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس. وتبقى التفاصيل التنفيذية غائبة، حيث لم تعلن واشنطن بعد عن الصيغة القانونية أو المؤسسية لدمج قوات القيادة العامة مع التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا.
وتتزايد التساؤلات بين الباحثين حول موقع الملف العسكري في أولويات المبادرة الأميركية، حيث يرى مدير المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية، أشرف بوفردة، أن التركيز الأميركي ينصب حالياً على تحقيق الاستقرار السياسي وتوحيد المؤسسات المدنية، بينما يأتي توحيد المؤسسة العسكرية في مرحلة لاحقة.
يتزامن ذلك مع نقاش حول المبادرة المنسوبة إلى مسعد بولس، التي تتحدث عن تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة في موقع قيادي. وأكد بولس أن اختيار الصيغة النهائية يظل شأناً يقرره الليبيون أنفسهم.
ويشير بوسعيدة إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في طبيعة الواقع العسكري القائم، حيث يوجد طرف نظامي يمتلك هيكلاً تراتبياً واضحاً، بينما يعاني الطرف الآخر في غرب البلاد من تعدد مراكز القرار والانقسام. هذه المعادلة ستؤثر على أي تصور لتوحيد المؤسسة العسكرية.
من جانب آخر، توقع بوفردة أكثر من سيناريو لإعادة بناء المؤسسة العسكرية، تختلف في شكل القيادة وآليات دمج القوات، لكنها تتفق جميعها على إنهاء الانقسام العسكري. السيناريو الأول يستند إلى إلغاء القيادة العامة بصيغتها الحالية وتشكيل قيادة عسكرية موحدة برئاسة صدام حفتر.
ويستند هذا الطرح إلى مؤشرات ميدانية، منها الصور التي جمعت قيادات من الشرق والغرب خلال مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة. أما السيناريو الثاني، فيقوم على الإبقاء على الهيكل العسكري القائم، مع تعيين صدام حفتر قائداً أعلى ووجود وزير للدفاع، بالإضافة إلى إنشاء غرف عمليات مشتركة.
بينما لا تزال هذه التصورات في إطار النقاش، تشير التحركات الأمنية إلى أن مساراً موازياً بدأ بالفعل بعيداً عن الأضواء. ويرى رئيس المجلس الوطني للعلاقات الليبية - الأميركية، هاني شنيب، أن توحيد المؤسسة الأمنية يجري وفق مسار تدريجي يبدأ بالملفات الأقل تعقيداً وصولاً إلى الأكثر حساسية.
وأوضح شنيب أن الجانبين عقدا نحو عشرة اجتماعات مشتركة تناولت ملفات حماية الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية، مؤكداً أن هذه اللجان تمثل مدخلاً لبناء الثقة. ويخلص شنيب إلى أن أولويات المرحلة الراهنة ستنصب على ملفات التعاون الأمني المشترك بين الشرق والغرب.
وفي أبريل الماضي، تشكلت غرفة عمليات عسكرية مشتركة (3+3) ضمت عناصر من شرق وغرب ليبيا، في إطار مناورات عسكرية تعد من أبرز التدريبات التي تنظمها القيادة العسكرية الأميركية. وتعد هذه المناورات فرصة لتنسيق الجهود بين القوات المختلفة.







