صراع سلاسل التوريد: كيف أصبحت الصين والغرب في مواجهة مباشرة

تتسارع وتيرة الحرب التجارية بين القوى الكبرى، حيث تتخذ كل من الولايات المتحدة وأوروبا خطوات جديدة لمواجهة التحديات التجارية القادمة من الصين. وفي الوقت الذي تسعى واشنطن وبروكسل إلى تقييد الواردات الصينية في مجالات التكنولوجيا العالية، ترد بكين بإجراءات لحماية سلاسل التوريد وتعزيز مكانتها كمدافع عن النظام التجاري القائم على القواعد.
وأضاف وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام، أن التركيز قد انتقل من الرسوم الجمركية المعتادة إلى استهداف قطاعات محددة مثل الروبوتات الصناعية، تحت شعار مواجهة الروبوتات المدعومة من الدولة. وأشار إلى أن هناك دراسة لفرض إجراءات إضافية على واردات الروبوتات الصينية رغم وجود رسوم جمركية سابقة.
وشدد لوتنيك على أن هذه الخطوات جاءت في سياق الأمن القومي وسباق الأذرع الروبوتية، حيث يسعى الغرب إلى الحد من استخدام التكنولوجيا الصينية في المجالات الحساسة. وفي هذا السياق، قال شيانغ لي غانغ، المدير العام لمجموعة تكنولوجيا تطبيقات المستهلك، إن هذا الخطاب يمثل نمطا أمريكيا متكررا لتسييس التجارة، مشيرا إلى أن تفوق الصين في هذا القطاع يعتمد على تكامل سلسلة التوريد والابتكار.
وأظهر تقرير من مؤسسة مورغان ستانلي توقعات بزيادة عدد الروبوتات الشبيهة بالبشر عالميا إلى مليار روبوت بحلول عام 2050، مما يزيد من حساسية الولايات المتحدة تجاه هذا القطاع. وفي هذا السياق، يسعى قانون ماتش الأمريكي إلى فرض تنسيق إلزامي على حلفاء واشنطن بشأن قيود تصدير التكنولوجيا إلى الصين.
في أوروبا، تتعقد الأمور بشكل أكبر، حيث يتمثل التحدي في كيفية التعامل مع الصناعة الصينية المتقدمة. وأكد المستشار نوح باركن أن اللحظة الحالية هي الأكثر حاسمة في سياسة أوروبا تجاه الصين منذ سنوات، حيث تقوم الصناعة الصينية بتحدي قطاع التصنيع الأوروبي، مما يؤدي إلى فقدان العديد من الوظائف. وهناك دعوات متزايدة داخل بروكسل لتسريع استخدام أدوات الدفاع التجارية.
وفي الوقت نفسه، تواجه هولندا ضغوطا من الولايات المتحدة لتنسيق قيود تصدير التكنولوجيا، مما يعكس التوترات الحالية بين واشنطن وشركائها الأوروبيين. كما أن انضمام هولندا لمبادرة سيليكون بيس يكشف عن مأزق الدول الصغيرة في تحقيق توازن بين الأمن التكنولوجي وحماية مصالحها التجارية.
من جهة أخرى، تكثف الصين جهودها لحماية صناعتها وسلاسل التوريد من خلال وضع إطار تنظيمي جديد لأمن السلاسل الصناعية. وأشار المجلس الصيني إلى أن هذا الإطار يمنح وزارة التجارة صلاحيات التحقيق في أي ممارسات تمييزية ضد المنتجات الصينية، مما يعكس استجابة الصين للتحديات المتزايدة.
ويشير مجمل هذه التطورات إلى أن الحرب التجارية تتجاوز الرسوم الجمركية لتصبح صراعا منظما حول سلاسل التوريد. حيث تسعى الولايات المتحدة إلى نقل الإنتاج بعيدًا عن الصين، بينما تحاول بكين استخدام سلاسل التوريد كوسيلة للدفاع والهجوم في آن واحد.
هذا الواقع يعكس عالمًا أكثر تجزؤا، حيث تتشكل تحالفات جديدة في مجال سلاسل التوريد، بينما تواجه الدول المتوسطة والصغيرة تحديات كبيرة في الحفاظ على انفتاحها الاقتصادي. وفي ظل هذه التعقيدات، فإن أي تصعيد إضافي في هذه الحرب سيؤثر بشكل مباشر على الاستثمارات والنمو في الاقتصادات الكبرى.







