الشخصية السامة: كيف تكتشفها وتحافظ على سلامك النفسي؟
كثير منا قد يتعامل في حياته مع أشخاص يجعلوننا نشعر بالتوتر والإرهاق النفسي بعد كل لقاء أو حديث معهم. هؤلاء يُطلق عليهم في اللغة الشائعة "الشخصيات السامة"، وهم أشخاص يتسببون بشكل متكرر في إزعاج أو أذى نفسي وعاطفي لمن حولهم من خلال سلوكيات مرهقة ومستنزفة للطاقة.
وقد عبّر الشاعر بشار بن برد عن خطورة الصاحب المؤذي بقوله:
"وصاحبٍ كالدُّمَّلِ المُمْدي حملتُهُ في باطنِ الجلدِ"
ومع ذلك، من المهم أن نوضح أن "الشخصية السامة" ليست تشخيصاً نفسياً رسمياً، لن تجده في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5-TR)، وإنما هو مصطلح يُستخدم لوصف مجموعة من السلوكيات المؤذية التي قد تظهر لدى بعض الأشخاص بدرجات متفاوتة،اول من استخدم هذا المصطلح بيتر فروست (Peter Frost) في أواخر الثمانينيات.
كيف تتعرف إلى الشخصية السامة؟
من أبرز العلامات التي قد تشير إلى وجود شخصية سامة:
• التركيز المفرط على الذات والمصلحة الشخصية.
• التلاعب بالآخرين أو استغلال مشاعرهم لتحقيق أهداف خاصة.
• كثرة الانتقاد والتقليل من إنجازات الآخرين.
• رفض الاعتراف بالأخطاء وإلقاء اللوم على الآخرين.
• الغيرة والحسد عند رؤية نجاح الآخرين.
• إثارة المشكلات والدراما بشكل مستمر.
• التقلب في المواقف والمعاملة.
• نشر التوتر والخلافات في الأسرة أو العمل أو المجتمع.
• استنزاف الطاقة النفسية والعاطفية للمحيطين بهم.
ماذا يقول علم النفس؟
يرى علماء النفس أن بعض هذه السلوكيات قد ترتبط بسمات شخصية تُعرف بـ"الجانب المظلم للشخصية"، الرباعي المظلم" (Dark Tetrad) ومنها:
• النرجسية: الشعور المبالغ فيه بالأهمية والحاجة الدائمة للإعجاب.
• الميكافيلية: استخدام الخداع أو التلاعب لتحقيق المكاسب الشخصية.
• السيكوباتية: ضعف التعاطف وقلة الشعور بالذنب تجاه الآخرين.
• السادية: الاستمتاع بإيذاء الآخرين أو التسبب في معاناتهم.
ولا يعني وجود إحدى هذه الصفات أن الشخص يعاني بالضرورة من اضطراب نفسي، لكنها قد تصبح مؤذية عندما تكون شديدة ومتكررة.
كيف تحمي نفسك من الشخصية السامة؟
إذا كنت مضطراً للتعامل مع شخص يتصف بهذه السلوكيات، فقد تساعدك الإرشادات التالية:
1. ضع حدوداً واضحة في التعامل ولا تتنازل عنها بسهولة.
2. لا تكشف كل أسرارك أو نقاط ضعفك الشخصية.
3. تجنب الدخول في نقاشات لا تنتهي بهدف تبرير نفسك.
4. تعامل بهدوء وحياد عند الاستفزاز، وقلل من ردود الفعل العاطفية.
5. اختصر مدة التواصل والاحتكاك قدر الإمكان.
6. اطلب الدعم من الأصدقاء الموثوقين أو المختصين عند الحاجة.
7. إذا أصبح وجود الشخص مصدراً دائماً للأذى النفسي أو الجسدي، فقد يكون الابتعاد عنه هو الخيار الأكثر صحة.
8.
الشخصية السامة في العصر الرقمي
لم تعد السلوكيات السامة مقتصرة على العلاقات المباشرة، بل امتدت إلى العالم الرقمي أيضاً. فقد أظهرت دراسات حديثة أن بعض السمات الشخصية السلبية ترتبط بزيادة احتمالات التنمر الإلكتروني والإساءات عبر الإنترنت، مما يجعل الوعي بهذه السلوكيات أكثر أهمية في عصر التواصل الرقمي.
كما تشير دراسات بيئات العمل إلى أن نسبة غير قليلة من الموظفين تتعرض لأنماط من القيادة السامة التي تؤثر سلباً في الرضا الوظيفي والصحة النفسية والإنتاجية.
الخلاصة
الشخصية السامة ليست مرضاً أو تشخيصاً نفسياً بحد ذاته، بل وصف لسلوكيات متكررة تؤذي الآخرين وتستنزف طاقتهم النفسية. والتعامل معها لا يكون بمحاولة تغيير صاحبها دائماً، بل بحماية النفس من آثارها من خلال وضع الحدود الواضحة، وتقليل الاحتكاك، والحفاظ على التوازن النفسي. فسلامتك النفسية ليست رفاهية، بل ضرورة لحياة أكثر صحة واستقراراً.
الدكتور تيسير شواش
اختصاصي نفسي – معالج سلوكي معرفي
مدير مركز المراد للاستشارات النفسية
مرخص من وزارة الصحة الأردنية







