مقابر مؤقتة تحت الخيام: أزمة الهوية للشهداء في غزة تتفاقم

بينما كان محمد عوض يعمل على توسيع حفرة في خيمة نزوحه بحي الشيخ رضوان في شمال غزة، اكتشف جثمان طفل ملفوف بغطاء، كان قد دُفن في نفس المكان الذي أصبح مقبرة عشوائية مؤقتة بعد اجتياح الاحتلال للمنطقة في بداية الحرب.
أضاف عوض، البالغ من العمر 57 عاماً، أن طواقم الإسعاف نقلت الجثمان لإتمام إجراءات التوثيق، وهو جزء من ملف طويل يضم آلاف الشهداء مجهولي الهوية، الأمر الذي يزداد تعقيداً مع مرور الوقت.
تشير البدايات إلى أن المقابر العشوائية في غزة نشأت خلال العملية البرية الأولى التي شنتها القوات الإسرائيلية في نوفمبر. حيث اضطر السكان لدفن الشهداء في أماكن بديلة لتعذر الوصول إلى المقابر الرئيسية.
أكد عوض أن قوات الاحتلال دمرت منزله خلال الحرب، مما أجبره على الإقامة في خيمة على أرض ملعب في حي الشيخ رضوان بعد اتفاق وقف إطلاق النار مباشرة.
كان عوض على علم بأن سكان المنطقة لجأوا إلى دفن عدد من الشهداء داخل الملعب بسبب حصار الاحتلال، لكن ذويهم أعادوا دفنهم في المقبرة الرئيسية بعد تراجع قوات الاحتلال.
وأشار إلى أنه تفاجأ بوجود الجثمان بجوار خيمته على عمق عشرات السنتيمترات، مما استدعى الاستعانة بطواقم الإسعاف التي تولت نقل الجثمان وإجراءات التوثيق.
قال المسعف كريم العطل إن الملعب تحول إلى مقبرة مؤقتة تضم مئات الجثامين، وقد تم نقل بعضهم إلى المقبرة الرئيسية، لكن العديد من الجثامين لا تزال مجهولة الهوية.
كشف العطل أن الملعب شهد دفن نحو 100 جثمان، لكن بعضهم لا يزال مدفوناً في المكان دون أن يتعرف عليهم أحد.
وثق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان نحو 30 مقبرة جماعية عشوائية تضم حوالي 3000 جثمان في غزة، بعد عام من الحرب، إضافة إلى أكثر من 120 مقبرة جماعية دفن فيها ثلاثة أفراد أو أكثر.
في حي الكرامة، عثر المواطن ماجد شاهين على جثمان شهيد متحلل بجوار منزله، ورغم محاولاته العديدة للتعرف عليه، لم يتعرف عليه أحد.
أكد مدير وحدة الإسعاف في الخدمات الطبية بغزة، فارس عفانة، أن ارتفاع أعداد الشهداء مجهولي الهوية يعود إلى الجرائم التي ارتكبها الاحتلال، مثل نبش المقابر ومنع الطواقم الطبية من الوصول إلى الجثامين.
أوضح عفانة أن الجهات المختصة شكلت لجنة لتوثيق بيانات جثامين الشهداء مجهولي الهوية لتسهيل التعرف عليهم لاحقاً.
في مشرحة مجمع الشفاء الطبي، يتابع الدكتور أحمد أضهير، مدير دائرة الطب الشرعي، ملفات الشهداء، حيث تم توثيق أكثر من 1000 جثمان ضمن قائمة مجهولي الهوية.
أشار أضهير إلى أن الاحتلال سلّم 480 شهيداً منذ اتفاق وقف إطلاق النار، لكن لم يتم التعرف على جميع الجثامين.
كما لفت إلى أن العديد من الشهداء دُفنوا في مقابر عشوائية ولم يتم التعرف عليهم خلال الحرب.
تزداد تعقيدات ملف الشهداء مجهولي الهوية مع مرور الوقت، حيث تحتاج الجهات المختصة إلى مواد وفحوصات للتعرف عليهم.
تقدر الجهات الحكومية في غزة عدد المفقودين في الحرب الأخيرة بحوالي 10000 شخص، والعديد من الجثامين لا تزال تحت الأنقاض، وعدد آخر دُفن دون معرفة هويته.
تشير إحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية إلى استشهاد أكثر من 72993 فلسطينياً منذ بداية الحرب، وإصابة أكثر من 173230 آخرين.







