أسواق المال تتفاعل مع آمال السلام في الشرق الأوسط

شهدت الأسواق المالية العالمية تحولا ملحوظا بعد التصريحات الأمريكية حول إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران، مما أدى إلى تغيير المزاج الاستثماري بشكل سريع. وتراجعت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في شهرين، في حين قفزت الأسهم الآسيوية والعالمية لتعكس تفاؤل المستثمرين. وانخفضت عوائد السندات الأمريكية في ظل تراجع المخاوف المرتبطة بالتضخم.
وأظهر هذا التغير مدى تأثير الأحداث الجيوسياسية في الشرق الأوسط على قرارات المستثمرين، حيث لم تعد أسعار الطاقة مجرد متغير اقتصادي، بل أصبحت تلعب دورا مهما في تشكيل توقعات التضخم وأسعار الفائدة، فضلا عن شهية المخاطرة لدى المستثمرين.
وأشار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى أن اتفاق السلام مع إيران قد يتم توقيعه "في أقرب وقت هذا الأسبوع"، مضيفا أن المفاوضات وصلت إلى "أعلى مستويات القيادة الإيرانية" وتحظى بدعم إقليمي واسع. وتأتي هذه التصريحات بعد تحذيرات أمريكية من احتمال توجيه ضربات إضافية لإيران، مما منح الأسواق إشارات متباينة حول اتجاه الأزمة.
في المقابل، ذكرت إيران أنها لم تتخذ قرارا نهائيا بشأن أي اتفاق محتمل، مما أبقى حالة من الحذر قائمة لدى المستثمرين. ومع التوقعات بإعادة فتح مضيق هرمز، تراجعت أسعار النفط، حيث انخفض خام برنت بنسبة 1.8% ليصل إلى 88.76 دولارا للبرميل، مسجلا أدنى مستوى له منذ شهرين.
وأكد رئيس استراتيجية العملات الأجنبية لدى بنك أستراليا الوطني، راي أتريل، أن هذه التطورات تبدو أكثر واقعية مما شهدناه سابقا، مضيفا أن أي إشارات إيجابية من الجانب الإيراني قد تغيّر توقعات الأسواق بشكل كبير.
وانعكس تراجع أسعار النفط سريعا على أسواق الأسهم العالمية، حيث ارتفع مؤشر "إم إس سي آي" لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان بنسبة 3.7%، مدعوما بقفزة بلغت 7.8% في مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي. كما صعد مؤشر نيكاي الياباني بنسبة 3.6%، وزاد مؤشر هانغ سنغ في هونغ كونغ بنسبة 2%.
وامتدت موجة الصعود إلى وول ستريت، حيث سجلت المؤشرات الأمريكية الرئيسية أكبر مكاسب يومية لها منذ الثامن من أبريل. وقفز مؤشر ناسداك بنسبة 2.5%، مدعوما بالاهتمام الكبير بالطرح العام الأولي لشركة "سبيس إكس"، الذي جمع 75 مليار دولار، مانحا الشركة تقييما سوقيا بلغ 1.77 تريليون دولار.
وأشار هيو لام، استراتيجي الاستثمار لدى "بيتاشيرز"، إلى أن التوزيع الواسع لأسهم الطرح بين المستثمرين الأفراد قد يزيد من تقلبات السهم على المدى القصير. كما أدت التراجعات في أسعار الطاقة إلى تعديل توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية الأمريكية، حيث تراجعت احتمالات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل إلى 36%، مقارنة مع 51% في وقت سابق.
وفي أوروبا، رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، في محاولة للحد من الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة. واستقر العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين عند 4.073%، بينما بلغ العائد على السندات لأجل عشر سنوات 4.469%.
واستعاد الدولار جزءا من خسائره السابقة مع استمرار التساؤلات حول فرص نجاح المفاوضات. وارتفع الدولار بنسبة 0.2% أمام الين الياباني، بينما استقر مؤشر الدولار عند 99.74 نقطة. وأكد مايكل وان، كبير محللي العملات في "ميتسوبيشي يو إف جي فايننشال غروب"، أن هناك تساؤلات بشأن فرص التوصل إلى اتفاق ومدى قبول إيران وأمريكا به.
وأظهرت بيانات أمريكية ارتفاع أسعار المنتجين خلال مايو بأكثر من المتوقع، مسجلة أكبر زيادة سنوية في ثلاث سنوات ونصف، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة بفعل الحرب. ومع ذلك، ركز المستثمرون على تباطؤ المؤشر الأساسي لأسعار المنتجين، الذي ارتفع بنسبة 4.9% على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات بلغت 5.4%.
وأشار توني سيكامور، محلل الأسواق لدى "آي جي"، إلى أن انخفاض أسعار الطاقة وقراءة التضخم الأساسي الأقل من المتوقع ساهما في تهدئة المخاوف المرتبطة بالتضخم. وتظهر تحركات الأسواق أن الملف الإيراني أصبح أحد العوامل الأكثر تأثيرا في الاقتصاد العالمي، حيث ينعكس كل تطور على المسار الدبلوماسي مباشرة على أسعار النفط وتوقعات الفائدة وأداء الأسهم والعملات.







