تضخم غير مسبوق يضرب الاقتصاد الإيراني ويؤثر على حياة المواطنين

طهران - في سوق باستان الذي يقع غرب العاصمة الإيرانية طهران، يتجول الناس بين بسطات البائعين، لكن المشهد فقد بهجته المعتادة. عيون المارة تبحث عن السلع بأسعار معقولة، بينما أصبحت جولات التسوق اليومية مهمة لاستطلاع الأسعار الجديدة. يقول فيروز، المتقاعد البالغ من العمر 63 عاما، "تغيرت الأمور بشكل جذري، حيث كانت الأسعار في السابق معقولة."
وأضاف فيروز وهو يقف أمام رفوف متجر للمواد الغذائية، "قبل عام، كان كيلو الأرز بنحو مليون و800 ألف ريال، لكنه الآن تجاوز 5 ملايين ريال. قنينة الزيت التي كانت بـ 700 ألف ريال أصبحت الآن فوق 3 ملايين ريال." وتابع بصوت يملؤه الحزن، "راتبي التقاعدي لا يكفي ثلث مصاريف البيت، ونشهد اتساعا مخيفا في رقعة الفقر. الغلاء وسرعته تترك لنا فرصة ضئيلة لالتقاط الأنفاس."
ومن جهة أخرى، قالت فاطمة، ربة منزل وأم لثلاثة أطفال، إنها أصبحت تذهب إلى السوق ثلاث مرات في الأسبوع فقط لمراقبة الأسعار، وليس لشراء ما تحتاجه. وأوضحت أن اللحوم الحمراء أصبحت حلما، والدجاج لم يعد متوفرا إلا نادرا. تضيف فاطمة أن الحديث عن مضاعفة الأسعار خلال أيام أو أسابيع لم يعد غريبا، حيث أن التضخم بات وباء يفتك بالطبقات الضعيفة أكثر من غيرها.
وفي سوق الجملة في منطقة نارنج جنوبي طهران، تحدث الحاج مهران، تاجر المواد الغذائية، عن التأثير المدمر للتضخم على البيع، حيث انخفضت القدرة الشرائية بشكل كبير. وأشار إلى تراجع المبيعات بشكل ملحوظ، موضحا أن الأسعار تضاعفت خلال فترة قصيرة، مما اضطرهم لتقليص الكميات المعروضة. وأكد أن الوضع لم يكن بهذا السوء حتى خلال أسوأ فترات العقوبات.
في ساحة تجريش شمالي طهران، يبدو السوق مزدحما، لكن أصحاب المحلات يصفون الازدحام بأنه خادع. يقول رضا، صاحب محل تجاري، "الناس يتجولون بلا هدف، وهذا الازدحام لا يعكس أي حركة شرائية حقيقية. يتذكرون الأيام التي كانوا فيها يشترون بكميات كبيرة، لكن اليوم يغادر الكثير منهم بلا شيء."
وفي حديث آخر، أوضح محمود، مدرس في إحدى الجامعات، أن التضخم لا يتعلق فقط بالأرقام المرتفعة، بل أيضا بالأسباب العميقة التي أدت إلى ذلك. وأشار إلى أن الوضع الاقتصادي في إيران يعاني من أمراض هيكلية بسبب الاعتماد على الإيرادات النفطية. ويضيف محمود أن "ما نراه الآن هو القمة فقط، وهناك تداعيات أخرى لم تظهر بعد."
كشف تقرير حديث عن البنك المركزي الإيراني عن ارتفاع معدلات التضخم بشكل غير مسبوق، حيث بلغ 77.2% على أساس سنوي في الفترة ما بين 21 أبريل حتى 20 مايو. وأشار التقرير إلى أن التضخم النقطي للسلع بلغ 113%. وبذلك تسجل إيران أعلى معدلات تضخم منذ عام 1942، عندما تسببت الاضطرابات العسكرية في انهيار سلاسل الإمداد الغذائي.
وعلى الرغم من عدم تصدي السلطات الرسمية لهذه الأرقام التاريخية، إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن الوضع ناتج عن تداخل عدة عوامل، بما في ذلك حذف العملة التفضيلية وارتفاع الأسعار بسبب الاضطرابات السياسية والحصار البحري. وأشار آرمان خالقي، رئيس غرفة التجارة الإيرانية، إلى أن هذه العوامل تسببت في أزمة اقتصادية شديدة.
وعن تأثير الحرب، يرى الخالقي أنها لم تكن مجرد صدمة عسكرية، بل ساهمت في تغيير سلوك المستهلكين بشكل جذري. ومع اندلاع الحرب، بدأ الناس في تخزين السلع الأساسية، مما رفع الأسعار بشكل غير مبرر. وأوضح الخالقي أن هذا الطلب المفرط أثر سلبا على الإنتاج، حيث تأثرت صناعات رئيسية مثل البتروكيماويات.
فيما يتعلق بالأرقام، أشار الخالقي إلى أن قرار رفع الأجور لم يكن كافيا لمواجهة التضخم. وأكد أن الوضع الاقتصادي الحالي يعاني من تفاقم حاد، حيث دخل المواطن يتآكل ودخل الدولة يتقلص في ظل ارتفاع الأسعار المستمر.







