فيضان الفرات يدفع الحكومة السورية للتحرك شرقا وسط مطالبات شعبية

فيضان نهر الفرات يدفع الحكومة السورية إلى تحرك عاجل نحو المحافظات الشرقية، لا يقتصر على احتواء تداعيات ارتفاع منسوب المياه، بل يهدف إلى معالجة الفجوة بين السكان والإدارة المركزية في دمشق، وسط اتهامات بالإهمال والتركيز على ثروات المنطقة.
ورد الرئيس أحمد الشرع على هذه الاتهامات، مبينا أن أهالي دير الزور والمناطق الشرقية هم ثروة سوريا، واضاف خلال لقائه مع وجهاء دير الزور، خلال زيارته لتفقد آثار الفيضان، أنهم أهل كرم وجود وعشائر كريمة.
وقالت مصادر حضرت الاجتماع إن زيارة الرئيس السوري إلى دير الزور تحمل رسالة طمأنة للأهالي، واشارت المصادر إلى أن الرئيس الشرع خلع سترته الرسمية أثناء استقباله من قبل المواطنين، معبرا عن ارتياحه بينهم، وتابعت المصادر أن الأهم من الرسائل الرمزية هو مرافقة عدد كبير من الوزراء للرئيس، مما يؤكد جدية الحكومة في معالجة احتياجات المنطقة وتخفيف الاحتقان.
وأوضحت المصادر أن الوزراء عقدوا اجتماعا مع وجهاء دير الزور، وتبعه اجتماع للرئيس الشرع مع الوزراء المعنيين، مثل وزراء الطاقة والإدارة المحلية والصحة والزراعة والنقل والطوارئ والاتصالات، كما حضر الاجتماع أمين عام الرئاسة السابق وشقيق الرئيس ماهر الشرع، ومدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية قتيبة قاديش.
ولم تقتصر القضايا المطروحة على الخدمات وتداعيات الفيضان، وإنما شملت ملفات أساسية تزيد الاحتقان، وأبرزها ملف معتقلين كانوا في سجون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ونقلوا إلى العراق، وطالب الحضور بالكشف عن مصيرهم وإعادتهم إلى سوريا لمحاكمتهم، كما تم التطرق إلى أوضاع مقاتلين في الجيش السوري الحر ومعارضين سابقين انضموا للقوات الحكومية الجديدة بعد إطاحة نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، والذين يشكون من التهميش.
وكانت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أعلنت في فبراير 2026 نقل أكثر من 5700 معتقل بتهمة الانتماء إلى تنظيم داعش من مراكز الاحتجاز لدى قوات سوريا الديمقراطية إلى العراق، وذلك كإجراء أمني وقائي لمنع فرار الإرهابيين بعد سيطرة القوات السورية على شرق وشمال شرقي سوريا نهاية العام الماضي.
على صعيد آخر، طالب وجهاء دير الزور بإعادة النظر في التعيينات الإدارية بالمحافظة، خاصة تلك التي تفتقر إلى الخبرة، وطالبوا أيضا بتحديد الصلاحيات ومنع التدخل في سلطات الإدارة المحلية، مع التأكيد على الشفافية وإطلاع المواطنين على القرارات المتخذة.
من جانبه، أشار الرئيس الشرع إلى أن الدولة الحالية ورثت أكثر من 60 عاما من المشكلات التي أضرت بالواقع السوري على المستويات القانونية والاقتصادية والخدمية، وانتقد الاعتماد المفرط على الإجراءات الإسعافية، قائلا إنها تستنزف الدولة وتدفع إلى استراتيجيات ردود الأفعال، مؤكدا أهمية تجزئة المشكلات وحلها حسب الأولويات بناء على أسس صحيحة.
ورغم الأجواء الإيجابية للزيارة، حذر البعض من تكرار الإحباط بعد الوعود الحكومية، ورأى الصحافي ياسر العيسى، وهو من دير الزور، مبالغة في الاهتمام ببدء بناء جسر السياسية، الذي يربط الحسكة ودير الزور، على الرغم من وجود قضايا أكثر أهمية، مبينا أنه إذا كان الحديث عن الجسور، فإن جسر الميادين، المتوقف منذ حوالي 10 سنوات، أكثر أهمية اقتصاديا وتجاريا وخدميا، ومع ذلك تم الاهتمام بالأول على حساب الثاني، وقال العيسى إن الزيارة بالمجمل كانت إيجابية، ولكن يجب انتظار النتائج على الأرض، فالمشكلة ليست فقط في تضرر الجسور، بل في خروج أكثر من 62 محطة مياه عن الخدمة بسبب الفيضان، مما سيحرم أكثر من 50 بالمئة من سكان المحافظة من المياه، إضافة إلى مشكلات كبرى أخرى متعلقة بالبنية التحتية.
ولفت العيسى إلى أن معظم أهالي دير الزور المهجرين خلال الحرب لم يعودوا رغم عودة المدينة إلى سيطرة الحكومة، وسبب ذلك هو تدمير حوالي 70 بالمئة من أحياء المدينة وغياب الخدمات اللازمة لإعادة تأهيل المنازل وتردي البنية التحتية، مشيرا إلى أن الآمال كانت كبيرة بعودة سريعة للمهجرين بعد سقوط النظام السابق، موضحا أن هذه العودة بحاجة إلى إمكانيات هائلة ربما تتجاوز ما هو متاح للحكومة الحالية.
وأعلنت وزارة الطاقة السورية، أن المؤسسة العامة لسد الفرات أغلقت البوابة رقم 4 في سد الطبقة بريف الرقة، بالتزامن مع استمرار انخفاض واردات المياه المقبلة من تركيا، وكانت هذه البوابة تمرر حوالي 300 متر مكعب من المياه في الثانية قبل إيقافها، مما خفض كميات المياه التي تمر عبر سد الفرات إلى حوالي 1400 متر مكعب في الثانية، وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة تهدف إلى إعادة منسوب المياه في نهر الفرات في الرقة ودير الزور إلى مستوياتها الطبيعية تدريجيا وبطريقة آمنة.
وتسبب فيضان نهر الفرات غير المسبوق منذ عقود بأضرار كبيرة، أبرزها وفاة أربعة أطفال وحالات غرق كثيرة، ومواجهة أكثر من 2500 عائلة خطر النزوح القسري، خاصة في مناطق حويجة قاطع وحويجة صكر، كما أتلف الفيضان المحاصيل الزراعية بمساحة تمتد على حوالي خمسة آلاف دونم من الأراضي على ضفاف النهر، بالإضافة إلى جرف الجسور الترابية الأربعة التي تربط دير الزور بمحيطها.







