علاقات الجيرة: بين الخصوصية والتعاون اليومي

تعتبر علاقة الجيرة من أكثر العلاقات تعقيدا في الحياة اليومية، فنحن نعيش جنبا إلى جنب مع جيراننا، نتشارك معهم الجدران والأصوات، وأحيانا الروائح، نسمع موسيقاهم وربما نعرف أسماءهم، ومع ذلك يظل الكثير منهم غرباء فعليا.
هذه المسافة بين الألفة والريبة تجعل علاقة الجيرة موضوعا دائما للنقاش، وخصوصا مع يوم الجيرة الذي يوافق 29 مايو.
يرى عالم الاجتماع فالتر زيبل أن الجار يمثل تحديا لأنه قريب من خصوصيتك، ووجوده دائم لا يمكن الانسحاب منه بسهولة، فمن يختلف مع صديق يستطيع قطع الاتصال، أما الجار فلا يمكن تجنبه إلا بالانتقال إلى مكان آخر، وهي خطوة مكلفة.
واضاف زيبل ان هذا القرب جعل الجيران مادة مفضلة في السينما، من النافذة الخلفية لألفريد هيتشكوك إلى أفلام أخرى تصور الجيرة بصور مختلفة.
وفي المقابل، يظل حلم المنزل المستقل حاضرا في المخيلة، لكن الواقع في دول مثل ألمانيا يغلب عليه الإيجار، أي العيش وسط جيران يتبدلون باستمرار، لذلك ينصح زيبل بالتعامل مع الجيران الجدد بمسافة مهذبة، لياقة بلا اندماج مبالغ فيه.
وحتى التحية اليومية تعكس هذا التوتر، ففي المدن الكبرى يتجنب كثيرون تبادل السلام في الممرات، ليس بدافع الوقاحة، بل تجنبا لتثبيت علاقة لا يريدونها، وفي الوقت نفسه تبقى الخصوصية المجال الأشد حساسية، فمع اتساع المراقبة في الفضاء العام، يرى زيبل أن البيت هو المكان الوحيد الذي يملك فيه الإنسان حق ألا يرى.
ومع ذلك، يفرض الجيران أنفسهم أحيانا، عند انقطاع الكهرباء أو تعطل الإنترنت، يروي الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته في سيرته الذاتية كيف تسرب شراب سكري من شقة جارته المسنة إلى بذلاته الإيطالية حين كان رئيسا لوزراء هولندا، لكنه اختار ألا يحول الحادثة إلى نزاع.
مع كل هذه التوترات، يذكر مثل قديم بأن جار قريب خير من أخ بعيد، فالجار قد يكون أول من يمد يد العون في الطوارئ، ويشير زيبل إلى أن هذه الترتيبات تنجح عندما تقوم على تبادل متوازن، لأن لا أحد يريد أن يصبح مدينا لجاره.
وخلال جائحة كورونا ظهر الوجه الإيجابي للجيرة بوضوح، في أحياء كثيرة تسوق الناس لبعضهم واعتنوا بكبار السن.
ومن هذا المزاج نشأ يوم الجيرة الذي بدأ في فرنسا وامتد إلى ألمانيا ودول أخرى، لتشجيع الجيران على اللقاء والتعارف عبر حفلات صغيرة أو أنشطة مشتركة في الشارع.
ورغم أن نزاعات الجيران قد تصل إلى المحاكم كما يذكر زيبل، فإن الجيرة تحمل أيضا وعدا قديما بالأمان والانتماء، بين الجار المزعج والجار المنقذ، تبقى الجيرة مرآة دقيقة لعلاقاتنا اليومية، ومساحة نختبر فيها قدرتنا على التعايش مع الآخر الأقرب الذي لم نختره، لكنه يظل جزءا من حياتنا.







