ليبيا: الجنوب يستنجد بالأمم المتحدة لمواجهة التهميش

عاد ملف الجنوب الليبي ليحتل صدارة اهتمام الأمم المتحدة هذا الأسبوع، وذلك عقب سلسلة من الزيارات والاجتماعات المكثفة التي أجرتها بعثة الأمم المتحدة مع قيادات محلية وحكومية في المنطقة، وسط مطالبات متزايدة بتعزيز الدعم الدولي لمواجهة ما يصفونه بـ«التهميش» المزمن الذي استمر لعقود.
وجاءت زيارة نائبة المبعوثة الأممية والمنسقة المقيمة في ليبيا، أولريكا ريتشاردسون، التي استمرت عدة أيام، وشملت لقاءات مع مسؤولين محليين وقيادات تنفيذية في الجنوب، لتعكس، وفق مراقبين، اهتماماً دولياً متنامياً بملفات المنطقة وتشابك أزماتها المعيشية والحدودية والقبلية.
ورأت حواء زايد، عضوة الحوار المهيكل الذي ترعاه الأمم المتحدة، أن هذه التحركات تمثل «انعكاساً لاهتمام دولي متزايد بالأوضاع في الجنوب الليبي، الذي يعاني منذ سنوات أزمات أمنية وتهميشاً اقتصادياً واجتماعياً، بما يستدعي مزيداً من الدعم الدولي»، وفق ما صرحت به لـ«الشرق الأوسط».
واضافت حواء زايد، وهي إحدى ممثلات الجنوب الليبي، أن لقاء نائبة المبعوثة الأممية مع نائب رئيس حكومة «الوحدة» عن المنطقة الجنوبية سالم الزادمة، إلى جانب اجتماعاتها مع عمداء بلديات الجنوب، «يكتسب أهمية خاصة، ويأتي في سياق اهتمام دولي ملحوظ بقضايا الجنوب الليبي وتحدياته المتراكمة».
وخلال أيام قليلة، تحولت مدن سبها ومرزق والقطرون وغات وأوباري والجفرة وبراك والبوانيس وبنت بية إلى عناوين رئيسية في مباحثات أممية حملت رسائل متعددة، عنوانها المعلن دعم التنمية والاستقرار، في حين قرأ فيها مراقبون محاولة لتوسيع الانخراط الدولي في الجنوب وربط مشكلاته المزمنة بمسار التسوية السياسية الذي تعمل الأمم المتحدة على إعادة إحيائه.
وقادت نائبة مبعوثة للأمم المتحدة وفداً دولياً، خلال الأيام القليلة الماضية، ضم ممثلين عن وكالات ومنظمات عالمية، في زيارة وصفت بأنها الأوسع إلى الجنوب منذ سنوات، حيث ركزت اللقاءات مع عمداء البلديات والقيادات المحلية على قضايا المياه وتدهور الخدمات الصحية ومخاطر التغير المناخي وضعف البنية التحتية واحتياجات النازحين واللاجئين، إضافة إلى ملف الأمن الحدودي والأنشطة غير المشروعة.
وفي سبها، ناقش الوفد مع مسؤولي المنطقة العسكرية الجنوبية والبلديات تحديات التهريب والاتجار في البشر والجريمة العابرة للحدود، وهي ملفات لطالما جعلت الجنوب ساحة مفتوحة لتقاطعات أمنية وإقليمية معقدة، لكن اللافت في الاجتماعات لم يكن فقط التركيز على التهديدات الأمنية، بل الإصرار المحلي على أن جذور الأزمة تتعلق بالتهميش التنموي وضعف حضور الدولة أكثر من أي شيء آخر.
وبدا واضحاً، من خلال كلمات عمداء البلديات وممثلي المكونات الاجتماعية، أن الجنوب يحاول استثمار الزخم الأممي لإعادة طرح مطالبه القديمة المتعلقة بتوزيع الموارد وتحسين الخدمات وتوسيع المشاركة في مؤسسات الدولة، في وقت يشعر فيه كثير من سكان فزان بأنهم ظلوا خارج حسابات الحكومات المتعاقبة في شرق البلاد وغربها.
وحسب بيان الأمم المتحدة، فقد «خلصت المناقشات إلى دعم تنموي أكثر تنسيقاً ومنهجية وتعزيز قدرات البلديات وتوسيع التعاون بقيادة البلديات في منطقة فزان لمعالجة التحديات المشتركة وتحسين ظروف المعيشة للمجتمعات المحلية».
وفي مرزق، التي استقبلت لأول مرة منذ أكثر من عقد زيارة أممية بهذا المستوى، حملت اللقاءات دلالات سياسية تتجاوز بعدها الخدمي، إذ شدد المشاركون المحليون على ضرورة أن يكون الجنوب حاضراً «بشكل كامل» في أي حوار وطني أو ترتيبات سياسية مقبلة، في إشارة إلى مخاوف متزايدة من أن تستمر التسويات الليبية محصورة بين القوى التقليدية في طرابلس وبنغازي، دون تمثيل فعلي لفزان.
وسبق أن عاشت مدينة مرزق سنوات من الصراعات القبلية والاشتباكات المسلحة وما رافقها من نزوح واسع وتدهور للخدمات، قبل أن تطوي صفحة العنف بمصالحة قبلية ثم مشروعات إعادة إعمار شملت ترميم المنازل والمرافق وتحسين البنية التحتية.
غير أن عضوة الحوار المهيكل تقول إن «لقاءات الزيارة الأممية الأخيرة وما صاحبها من زخم سياسي ودبلوماسي تظل بحاجة إلى ترجمتها إلى برامج دولية حقيقية على الأرض، بالنظر إلى تعقيدات الجنوب الليبي ومشكلاته الممتدة منذ عقود».
وعبرت حواء زايد عن الأمل في أن «يكون الاهتمام الدولي هذه المرة مختلفاً وأكثر جدية، خصوصاً أن الجنوب شهد في السابق زيارات وتحركات لمسؤولين أمميين ودوليين، لكنها لم تحقق نتائج ملموسة على الأرض، سواء فيما يتعلق بتحسين الأوضاع الأمنية أو معالجة التهميش التنموي والخدمي».
يشار إلى أن أولريكا ريتشاردسون ناقشت مع نائب رئيس حكومة «الوحدة» للمنطقة الجنوبية سالم الزادمة تعزيز التنمية المتوازنة في ليبيا عبر توزيع عادل للموارد وتفعيل الحوكمة المحلية وتوسيع فرص الشباب، كما شدد الجانبان على تحسين الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والمياه والطاقة ودعم الفئات الهشة والالتزام بحقوق الإنسان.
كما برز اهتمام دولي متزايد بالجنوب بعد لقاء الزادمة بالسفير البريطاني لدى ليبيا مارتن رينولدز، حيث جرى بحث دعم مشروعات التنمية وتحسين الخدمات، مع تأكيد لندن استمرار دعمها للمسار السياسي وجهود الأمم المتحدة.
في هذه الأثناء، تشهد مناطق في الجنوب الغربي الليبي الخميس استنفاراً حكومياً وإنسانياً إثر موجة أمطار غزيرة وسيول جارفة تركزت في مدينتي غات وتهالة، ما دفع السلطات المحلية إلى إعلان حالة تأهب ورفع درجات الاستعداد تحسباً لأي تطورات ميدانية.
وافادت مصادر محلية بنزوح عدد من العائلات في تهالة، بدءاً من الأربعاء، بدعم من غرفة عمليات الهلال الأحمر، عقب دعوات عاجلة لإخلاء بعض الأحياء خشية وصول السيول، في إطار إجراءات احترازية لحماية السكان.
وفي غات، تسببت الأمطار في جريان الأودية وغمر بعض الطرقات، وسط تحذيرات للسكان في المناطق المنخفضة والمزارع من الاقتراب من مجاري السيول، فيما أعلن الهلال الأحمر عن نزوح 250 عائلة من عدد من الأحياء.
من جهتها، أعلنت لجنة طوارئ حكومية تابعة للحكومة المكلفة من البرلمان عن رفع درجة الجاهزية في غات وتهالة والمناطق المجاورة، مع استمرار التنسيق بين الجهات المختصة لمتابعة الوضع والتعامل مع أي طارئ، في حين شاركت وحدات من قوات «الجيش الوطني» في عمليات دعم وإنقاذ المتضررين.
وتبقى حالة الترقب مسيطرة على مناطق الجنوب الليبي، مع استمرار التحذيرات من التقلبات الجوية والسيول، بعدما توقع المركز الوطني للأرصاد الجوية امتداد فرص هطول الأمطار حتى يوم الجمعة.







