تصاعد التوتر في الاقصى: محاولات ادخال القرابين تشعل فتيل الازمة

شهد المسجد الاقصى تطورا وصف بانه خطير وغير مسبوق بعد تمكن مجموعة من المستوطنين من اقتحام ساحاته يوم امس الجمعة وبحوزتهم قرابين نباتية تعرف باسم قربان الخبز وهي عبارة عن قطع من الخبز ملطخة بالدماء تستخدم ضمن طقوس دينية يهودية في حادثة اعتبرت الاولى من نوعها منذ عام 1967.
الاقتحام الذي جرى خلال وقت صلاة العصر اثار حالة من الذعر في صفوف المصلين واعاد طرح تساؤلات تتعلق بحدود ما يمكن ان تذهب اليه جماعات الهيكل في محاولاتها المتكررة لفرض طقوسها الدينية داخل المسجد.
وفي السياق نفسه لم تكن حادثة قربان الخبز معزولة اذ تندرج ضمن سلسلة محاولات متصاعدة من جماعات دينية متطرفة لتهريب او ادخال قرابين حيوانية خصوصا الخراف بهدف تنفيذ طقوس الذبح داخل ساحات المسجد الاقصى.
الا انه من الملاحظ ان هذه المحاولات تكررت كثيرا خلال السنوات الاخيرة سواء عبر تهريب حيوانات صغيرة الى محيط المسجد او محاولة ادخالها بشكل خاطف خلال الاقتحامات قبل ان يتم التصدي لها من قبل حراس الاقصى.
القرابين في الموروث الديني اليهودي تشير الى طقوس ذبح وتقديم حيوان او مواد نباتية كجزء من العبادة وتحديدا في سياق ما يعرف بالهيكل وتعتبر هذه الطقوس وفق القراءة الدينية لدى التيارات المتشددة ممارسة مركزية كانت تقام داخل الهيكل الثاني المزعوم وترتبط بمناسبات دينية موسمية مثل الفصح وشفوعوت.
ويشير القربان عند اليهود الى العهد بين الله والشعب ويذكر بمسالة الذبح التي يؤمنون بها وتحديدا ادعاءهم ذبح النبي اسحاق عليه السلام على صخرة بيت المقدس.
ووفق هذا التصور ينظر الى القربان على انه ذروة الطقس الديني اذ يعتقد انه يمثل وسيلة تكفير وخلاص وفق الرواية التوراتية كما ترتبط هذه الممارسة في المخيال الديني لديهم بموقع داخل المسجد الاقصى وتحديدا المناطق القريبة من قبة الصخرة باعتبارها موقع المذبح المفترض.
ترى جماعات تعرف بمنظمات الهيكل ان اعادة ممارسة طقوس القربان داخل المسجد الاقصى خطوة اساسية في مشروعها العقائدي الهادف الى اعادة احياء الهيكل في المكان نفسه وينظر الى ادخال القرابين باعتباره اختبارا عمليا لمدى امكانية فرض طقوس دينية داخل المسجد مما يفتح الباب امام تحول تدريجي في طبيعة الوضع القائم.
وفي هذا السياق تطرح محاولات لتجديد فكرة تقديم القربان الحيواني في الاقصى باعتبارها وسيلة لتاكيد ممارسة طقوسهم فيه وكانه اصبح فعليا موقع الهيكل المزعوم.
وسجلت في العام الماضي محاولات من قبل مستوطنين لادخال قربان حيواني على شكل قطع لحم من ذبيحة حديثة ومحاولة نثره قرب قبة السلسلة داخل باحات المسجد الاقصى بدعوى الاعتقاد بانه يمثل موقع المذبح في الهيكل المزعوم قبل ان يتم كشف الامر واخراجهم من المكان.
كما قامت مجموعة من المستوطنات بنثر خبز ممزوج بالخمر قرب قبة السلسلة ثم سكب الماء على ارجلهن في الموقع في اطار اداء طقوس مرتبطة باحد الاعياد.
تشير التطورات الاخيرة الى انتقال تدريجي من الاقتحامات ذات الطابع الرمزي الى محاولات تنفيذ طقوس فعلية سواء عبر ادخال قرابين نباتية او محاولات سابقة لتهريب قرابين حيوانية ويعتبر مراقبون ان هذا التحول يعكس محاولة فرض واقع جديد داخل الاقصى عبر كسر الخطوط الحمراء المرتبطة بطبيعة الاستخدام الديني الحصري للمكان.
وحول ذلك حذر الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص بقوله نحن امام طقوس قضم واحلال اكثر مما هي طقوس تتعلق بالغيب او تبتغي الاخرة.
ويفسر ابحيص اصرار جماعات الهيكل على ذبح القربان داخل المسجد الاقصى بسعيها لاتمام ما تعتبره دورة العبادات التوراتية والتي ترى انها لا تكتمل الا داخل الاقصى وفق اعتقادها.
تتزامن هذه المحاولات عادة مع مناسبات دينية يهودية حيث تكثف جماعات الهيكل دعواتها لزيادة الاقتحامات وتنفيذ طقوس داخل المسجد.
ويشير باحثون في شؤون القدس الى ان هذه المناسبات تستخدم كفرصة لتوسيع نطاق الاقتحامات خاصة في ظل تصاعد الدعم السياسي من بعض التيارات داخل الحكومة الاسرائيلية وحدوث تغير في مستوى القيود الامنية المفروضة سابقا.
وبحسب الباحث ابحيص يعد عيد الاسابيع اليهودي ثالث واخر مناسبة ضمن سلسلة احتفالات تنفذها منظمات الهيكل داخل المسجد الاقصى خلال مايو ايار الجاري بعد مناسبتين سابقتين تزامنتا مع ايام الجمعة التي تتوقف فيها عادة اقتحامات المستوطنين وهما:
- عيد الفصح الثاني الذي صادف الاول من مايو ايار وشهد الاقتحام التعويضي في اليوم السابق له دخول 214 مستوطنا الى المسجد.
- يوم القدس او ما يسمى يوم توحيد القدس الذي صادف 15 مايو ايار حيث اقتحم المسجد في اليوم الذي سبقه 1412 مستوطنا ورفعوا خلال الاقتحام الاعلام الاسرائيلية ولوحوا بها داخل باحاته.
يحذر مختصون من ان استمرار محاولات ادخال القرابين سواء النباتية او الحيوانية قد يشكل تحولا نوعيا في الصراع على المسجد الاقصى من مجرد اقتحامات الى محاولة فرض طقوس دينية داخل الساحات.
كما ينظر الى هذا المسار باعتباره احد اكثر الملفات حساسية نظرا لارتباطه المباشر بهوية المكان والوضع القائم الذي يحكمه منذ عقود وما قد يترتب على اي تغيير فيه من تداعيات واسعة.
تشير الوقائع الميدانية الى ان الشرطة الاسرائيلية تتدخل غالبا في مرحلة متاخرة من التطورات داخل المسجد الاقصى حيث تسمح في العادة بمرور الاقتحامات وفق ترتيبات زمنية ومسارات محددة قبل ان تتدخل عند حدوث احتكاك مباشر او تصعيد مفاجئ.
وفي الحادثة الاخيرة تدخلت القوات لاخراج المستوطنين من ساحات المسجد بعد تمكنهم من التوغل ووصولهم الى مناطق قريبة من قبة الصخرة وهو ما يعكس نمطا متكررا من ادارة الاقتحامات اكثر من منعها.
ينعكس هذا النوع من التطورات مباشرة على الاوضاع في مدينة القدس حيث تتصاعد حالة التوتر في محيط المسجد الاقصى وتزداد القيود المفروضة على دخول المصلين الفلسطينيين خصوصا خلال ايام الجمع والمناسبات الدينية اليهودية.
كما يؤدي تكرار هذه الاقتحامات الى توسيع دائرة الاحتكاك بين المصلين الفلسطينيين والقوات الاسرائيلية مما يرفع منسوب القلق من انفجارات ميدانية محتملة.
تشير تقديرات ميدانية الى احتمال تزايد محاولات ادخال القرابين خلال المناسبات اليهودية المقبلة خصوصا في فترات ما يعرف بالاقتحامات التعويضية عندما تكثف الجماعات المتطرفة نشاطها في الايام التي تسبق او تلي الاعياد.
وفي المقابل يبقى عامل الردع الشعبي والديني في القدس الى جانب الوصاية الاردنية على المقدسات احد ابرز المحددات التي قد تعيق تحول هذه المحاولات الى واقع دائم داخل الاقصى.







