غزة: مبادرة تعيد الامل بتركيب عيون صناعية لضحايا الحرب

في قطاع غزة المحاصر، تلوح مبادرة لتركيب العيون الصناعية كطوق نجاة للمصابين الذين فقدوا أعينهم خلال الحرب، حيث يسعى الأطباء لترميم ما خلفته الحرب من آثار جسدية ونفسية على سكان القطاع.
لم يكن عدنان الهسي، البالغ من العمر 58 عامًا، يتوقع أن خروجه لجمع الحطب في شمال قطاع غزة سيغير مجرى حياته، حيث أصيب في عينه اليسرى جراء قصف إسرائيلي أدى إلى تهتك كامل في القرنية.
ونقل الهسي إلى المستشفى، حيث بذل الأطباء جهودًا مضنية لإنقاذ عينه، إلا أن حالته كانت معقدة، وأخبره الأطباء بأن استمرار تدهور القرنية قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، وفي ظل محدودية الخيارات العلاجية، خضع لعملية إغلاق للعين في عام 2024 للحفاظ عليها من أي تبعات إضافية.
واستفاد الهسي مؤخرًا من مبادرة تركيب الأعين الصناعية التي أعلنها مستشفى العيون في غزة، والتي ساعدت في تحسين مظهره الخارجي، كإجراء تجميلي مؤقت، حتى يتمكن من زراعة قرنية تعيد له جزءًا من حياته الطبيعية بعد سنوات من المعاناة.
وتأتي مبادرة تركيب الأعين الصناعية بدعم من إحدى المؤسسات التي تبرعت بنحو 100 عين صناعية جاهزة، كما يقول مدير مستشفى العيون في غزة الدكتور حسام داود.
وتشير الإحصائيات المتوفرة إلى أن نحو 700 شخص في قطاع غزة فقدوا أعينهم خلال الحرب، بينهم 600 مصاب فقدوا عينًا واحدة، بينما فقد قرابة 100 شخص كلتا العينين، وفقًا لمدير المستشفى.
واضاف داود "كنا نتوقع أن تستفيد نحو 100 حالة فقط من المبادرة، لكننا فوجئنا بأن العدد يفوق ذلك بكثير، إذ جرى تسجيل أكثر من 600 حالة بحاجة إلى عيون صناعية".
وتمكن الطاقم الفني المتخصص في المستشفى من توسيع نطاق الاستفادة من المبادرة بفضل خبرته العالية في مجال العيون الصناعية، ولفت داود إلى أن الفنيين تلقوا تدريبات ودورات متخصصة في تركيب وتجهيز العيون الصناعية، الأمر الذي أتاح لهم تعديل أحجام العيون بما يتناسب مع حالة كل مريض، سواء بتصغيرها أو تكبيرها، لتلائم التجويف الخاص بالمصابين.
وتمت عملية التسجيل إلكترونيًا، إلى جانب استقبال المرضى الذين كانوا يراجعون المستشفى خلال الفترات السابقة من أجل العلاج أو متابعة حالاتهم المتعلقة بالعيون الصناعية.
وتتمثل الأولوية العاجلة حاليًا -بحسبه- في فك الحصار عن قطاع غزة وإدخال المستهلكات الطبية والأدوات الجراحية والأدوية والخيوط الطبية، حتى تتمكن الطواقم من تقديم الخدمة للمرضى على أكمل وجه.
ووجه داود نداءً عاجلاً لكل الجهات القادرة على المساعدة للعمل على فتح المعابر أمام المرضى، نظرًا لأن هناك فئات من المصابين لا يستطيع المستشفى تقديم العلاج الكامل لها داخل غزة، لا سيما التي تعاني من تشوهات شديدة في تجويف العين، وتحتاج إلى عدة عمليات جراحية قبل تركيب العين الصناعية، ما اضطر المستشفى إلى تأجيل استفادتها إلى مراحل لاحقة.
وامام هذا الحال الصعب، وتفاقم الوضع الصحي لهؤلاء المرضى، يأمل داوود في إيجاد آلية تسمح بسفرهم لتلقي العلاج اللازم في الخارج، أو إدخال أطباء متخصصين في تجميل العيون لمساندة الطواقم الطبية في التعامل مع الكم الهائل من الحالات التي تحتاج إلى تدخلات معقدة.
ولم يكن ذنب المسنة نفوذ العمودي إلا أن تواجدت داخل منزلها وبين عائلتها حين أصيبت بقصف استهدف مسجدًا بالقرب من منزلها، وأفقدها عينها، وحينها "امتلأ البيت بالغبار والدخان، ولم نعد نستطيع رؤية بعضنا البعض، فحاولت أن أغطي وجهي بيدي، وبعدها شعرت بأن الدم يخرج من عيني".
وما كان من حالة الفوضى والانشغال بإسعاف الجرحى آنذاك منعها حتى من طلب المساعدة لنفسها، قائلة: "كنت أرى الدم على وجهي، لكنني لم أستطع التحرك أو إخبار أحد أنني مصابة".
ومنذ إصابة عينها فقدت نفوذ توازنها، ولم تعد تستطيع المشي وحدها، موضحة أن عينها تعرضت لتشوهات وآلام مستمرة، حيث أبلغها الأطباء بحاجتها إلى متابعة دائمة بسبب الالتهابات ومضاعفات الإصابة.
وخضعت العمودي لعملية تركيب عين صناعية، وحصلت على عين صناعية أصبحت تشعر بوجودها براحة نفسية.
ويقول استشاري جراحة العيون الدكتور محمد مسلم إن حرب الابادة على قطاع غزة تسببت في انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، بما في ذلك خدمات طب وجراحة العيون، نتيجة الاستهداف المباشر للمستشفيات والمنشآت الطبية، وعلى رأسها مجمع الأطفال والعيون.
ويوضح مسلم أن استمرار الحرب أدى إلى تفاقم الحاجة إلى خدمات العيون بشكل كبير، خاصة مع تزايد الإصابات المباشرة فيها نتيجة القصف والانفجارات، إلى جانب تراكم الحالات المرضية التي كانت بانتظار العمليات المجدولة قبل الحرب، مثل عمليات المياه البيضاء والشبكية وغيرها من التدخلات الجراحية الروتينية.
ويعد النقص الحاد في المستهلكات الجراحية -بحسب مسلم- أحد أبرز التحديات التي تواجه الطواقم الطبية، لأن الاحتلال لا يزال يمنع إدخالها، في إطار القيود المفروضة على القطاع التي تشمل أيضًا منع إدخال الأجهزة الطبية الجديدة وقطع الصيانة الخاصة بالأجهزة المتضررة، الأمر الذي ينعكس بصورة خطيرة على جودة الخدمات الصحية واستمراريتها.
ويؤكد مسلم أن العديد من خدمات طب وجراحة العيون باتت مهددة بالتوقف الكامل في حال استمرار منع إدخال المستهلكات الجراحية، لأن العمل مرتبط بشكل مباشر بتوفر هذه المواد الأساسية.
وفيما يتعلق بمبادرة تركيب العيون الصناعية، قال طبيب العيون إنها جاءت لإحياء الأمل في نفوس المصابين الذين فقدوا أعينهم خلال الحرب، لأن تأثير هذه الإصابات لا يقتصر على الجانب الصحي فقط، بل يمتد إلى الأوضاع النفسية والاجتماعية للمصابين.
كما أن الكثير من المصابين -بحسب الاستشاري مسلم- يجدون صعوبة في الاندماج في المجتمع بعد فقدان أعينهم، كما يعانون من آثار نفسية شديدة وشعور بالعزلة وعدم القدرة على العودة إلى حياتهم الطبيعية أو ممارسة أعمالهم اليومية.
واشار إلى أن الطواقم الطبية لاحظت بشكل واضح حجم المعاناة التي يعيشها المصابون، الأمر الذي يجعل توفير العيون الصناعية والدعم العلاجي والنفسي ضرورة إنسانية ملحة.
ولفت إلى أن المبادرة تهدف لسد فجوة في الخدمات وتلبية احتياجات المرضى أمام تزايد الإصابات وصعوبة توفر المواد، مع السعي في الوقت نفسه لمنح المرضى أملاً جديدًا للعودة إلى حياتهم الطبيعية رغم التحديات القائمة في القطاع المحاصر.







