تعديل عسكري يثير مخاوف من إعدام أسرى فلسطينيين

في بلدة عقربا جنوب نابلس، تعيش نهى بني فضل منذ عامين ونصف على وقع جلسات محاكمة لابنها الاسير اسامة، دون صدور حكم نهائي.
اعتقل اسامة في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ومنذ ذلك الحين، كما تقول نهى، تحدد له جلسة محاكمة ثم تؤجل، حتى صار التاجيل نفسه هو الثابت الوحيد في هذا الانتظار الطويل.
لا تحضر العائلة المحاكمات ولا تسمع صوت ابنها عبر الهاتف، ولا يسمح لها بزيارته في سجن جلبوع، ومع كل جلسة مؤجلة، يكبر سؤال معلق: ما الحكم الذي ينتظره؟ فاسامة واحد من الاسرى الذين تترقب اسرهم احكاما قد تصل الى السجن المؤبد.
ومع هذا الانتظار الثقيل، جاء خبر ضاعف قلق عائلة الاسير بني فضل، اذ اعلن وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس ووزير الامن القومي ايتمار بن غفير بدء اجراءات تطبيق عقوبة الاعدام على فلسطينيين تتهمهم اسرائيل بتنفيذ عمليات قتل، وذلك بعد توقيع قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال افي بلوث على تعديل امر عسكري خاص بالضفة الغربية.
وتكشف الخطوة ان مصادقة الكنيست على ما يعرف بـ"قانون اعدام الاسرى" في 30 مارس/اذار المنصرم لم تكن كافية وحدها لسريانه في الضفة، التي لا تخضع للقانون المدني الاسرائيلي في مثل هذه القضايا، بل لمنظومة اوامر ومحاكم عسكرية، لذلك احتاجت حكومة الاحتلال الى اصدار "امر تعليمات الامن" حتى يصبح بالامكان انزال العقوبة داخل المحاكم العسكرية العاملة في الضفة.
وجاء الامر بتوجيه من كاتس، وبحسب البيان المشترك للوزيرين، فان القانون يستهدف من تصفهم اسرائيل بـ"المخربين الذين ينفذون عمليات قتل بحق يهود".
وشدد المحامي المختص بشؤون الاسرى حسن عبادي على ضرورة التمييز بين ما اقر في الكنيست وما صدر عن الحاكم العسكري.
واوضح ان الكنيست اقر في اواخر مارس/اذار الماضي قانونا يجيز اعدام الاسرى الفلسطينيين الذين ينفذون عمليات تفضي الى مقتل اسرائيليين يهود، لكن هذا القانون لم يصادق عليه رئيس الدولة بعد ولم ينشر في "رشوموت" اي المجلة او الجريدة الرسمية الاسرائيلية، وبالتالي لم يدخل بعد حيز التنفيذ الكامل.
ويرى عبادي ان القانون اصطدم بثغرات قانونية عدة، فهو "عنصري" لانه لا يسري الا حين يكون المتهم عربيا والضحية يهوديا، كما ان الكنيست لا يملك صلاحية سن قوانين تسري على الضفة بوصفها ارضا محتلة، فضلا عن ماخذ على الاجراءات وحق الدفاع للمتهمين.
وامام اثارة مسالة الصلاحية، لجا الاحتلال، كما يضيف، الى مسار بديل بان يصدر الحاكم العسكري للضفة "امرا" لا "قانونا" يفتح الباب امام اعدام معتقلين او اسرى يتهمون بتنفيذ عمليات ضد اسرائيليين.
غير ان هذا الامر، وفقا لعبادي، يبقى محدود الصلاحية وغامضا من حيث الية التنفيذ، ويحتاج الى مصادقة رئيسي الاركان والدولة واجراءات اخرى، ما يجعله "استعراضيا اكثر منه عمليا" وموجها لارضاء اليمين الاسرائيلي.
وتحدث عبادي عن نقطة يعدها "جوهرية" تتمثل في ان الامر "غير رجعي"، اي انه يسري نظريا من تاريخ صدوره وما بعده، ولا ينطبق على المعتقلين او المتهمين او المدانين حاليا، لكنه يحذر من ان ادخال عقوبة الاعدام الى منظومة المحاكم العسكرية في الضفة يمثل "سابقة قانونية خطيرة جدا" تسجل للمرة الاولى وتتناقض مع القانون الدولي وقوانين حقوق الانسان والمعاهدات الانسانية المعترف بها.
ولفت الى جوانب غامضة تكتنف التطبيق، متسائلا "من القاضي صاحب الصلاحية؟ وهل يكفي قاض واحد ام تلزم هيئة قضاة؟ وكيف يكفل حق الدفاع؟ وكيف ينفذ الحكم؟" اسئلة يقول انها بلا اجوبة حتى الان، ما يجعل ما صدر مجرد اعلان سياسي بانتظار تشريعات لاحقة.
واضاف ان العقوبة بهذه الصورة غير موجودة حتى في القانون الاسرائيلي الداخلي، وان المستشار القانوني للحكومة الاسرائيلية نفسه يعارض قانونا من هذا النوع، "وهو ما يزيد من خطورته" ويرى ان الموقف الدولي وان كان معارضا لهذه الاجراءات، فان اسرائيل "لا تقيم له وزنا" متحدثا عن "ازدواجية معايير" لدى هذا المجتمع.
واشار عبادي الى تحركات قانونية بدات بالفعل، من بينها عرض هذه الثغرات امام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في يوم الاسير الفلسطيني الذي وافق 17 ابريل/نيسان المنصرم، وحملة دولية جمعت اكثر من مليون توقيع عبر التحالف الاوروبي لمناصرة اسرى فلسطين، اضافة الى حملة جديدة اطلقت لمواجهة الامر العسكري الاخير.
واذا كان عبادي يقرا الامر العسكري بوصفه "غير رجعي" نظريا، فان الناطق الاعلامي باسم هيئة شؤون الاسرى والمحررين ثائر شريتح يقرا مساره بقلق اوسع، اذ يرى ان الاحتلال "يبدل مبرراته كل بضعة ايام"، فتحدث اولا عن قانون بلا اثر رجعي، ثم عن سريانه على كل اسير يتهم باعمال ضد اسرائيليين، ثم عن اسرى قطاع غزة، ثم عن غزة والضفة الغربية والقدس معا.
ويعتقد شريتح ان القانون اذا طبق فعليا "فسيطال كل الاسرى بغض النظر عن الموقع الجغرافي او تاريخ الاعتقال، وذلك خدمة لرغبات عنصرية وانتقامية".
ويقدر ان اوائل من ستطالهم العقوبة هم المعتقلون من غزة ممن تعدهم اسرائيل من قوات "النخبة" التابعة لحركة المقاومة الاسلامية (حماس) وكتائب عز الدين القسام، او من تتهمهم بالمشاركة في احداث 7 اكتوبر/تشرين الاول 2023، او في احتجاز اسرائيليين، اضافة الى اسرى من الضفة محكومين بالسجن المؤبد وتتهمهم بتنفيذ عمليات ضد اسرائيليين.
وقال شريتح ان هؤلاء كثر، وان القانون، في حال تطبيقه، قد يهدد من 500 الى 600 اسير على الاقل، محذرا مما يصفه بنية الاحتلال استهداف قيادات الحركة الاسيرة، مستشهدا بما يتعرض له الاسير القائد مروان البرغوثي خلال الاشهر الاخيرة.
وشدد على ان "الاعدام" ليس مستجدا، وقال ان عشرات ومئات الاسرى قضوا داخل السجون على مر السنوات بسبب الاهمال الطبي والتعذيب والقتل المباشر، وهو ما يتقاطع مع حديث عبادي عن نحو 120 حالة قتل متعمد داخل السجون منذ 7 اكتوبر/تشرين الاول 2023، ويصف الخطوة الاخيرة بانها محاولة لتقنين ممارسة قائمة ومنحها غطاء تشريعيا وقضائيا.
ويقرا شريتح دلالات الخطوة على مستويين:
- سياسي: فهي مؤشر على "تطرف" يعيشه الاحتلال وعلى دعم ومحاباة يتلقاهما من امريكا واوروبا و"للاسف" من بعض دول المنطقة، ويرى فيها رسالة سياسية مفادها انكار الوجود الفلسطيني وحق اقامة الدولة ونسف للاتفاقيات الموقعة.
- على المستوى القانوني والدولي: فيتحدث عن "خذلان" متجدد للاسرى الفلسطينيين وعن مجتمع دولي بات عاجزا عن الوفاء بالتزاماته الانسانية والاخلاقية تجاه "اخر شعب محتل".
ويرى ان الصمت الدولي هو ما يمنح اسرائيل الجراة على المضي في اقرار قانون لاعدام الاسرى "ونحن في القرن الـ21".
وفي بيان اصدره نادي الاسير الفلسطيني اليوم الثلاثاء، وصف ادخال تعديلات على الاوامر العسكرية في الضفة بما يوسع تطبيق عقوبة الاعدام امام المحاكم العسكرية بانه "تصعيد خطير جديد" ياتي بعد نحو شهرين من اقرار ما يسمى "قانون اعدام الاسرى" وبعيد اقرار قانون لانشاء محاكم خاصة بمعتقلي غزة الذين تدعي سلطات الاحتلال مشاركتهم في احداث السابع من اكتوبر.
ولفت النادي الى ان الاوامر العسكرية السارية في الضفة تضمنت منذ سنوات نصوصا تتصل بعقوبة الاعدام، لكن الاحتلال لم يكن بحاجة الى تفعيلها قضائيا لاعتماده على الاعدام خارج اطار القانون، وهي سياسة يقول ان جذورها تمتد الى حقبة الانتداب البريطاني، وان الخطورة الراهنة تكمن في السعي الى تحويل الاعدام الى "سياسة معلنة ومقننة" تدار عبر منظومة تشريعية وقضائية رسمية.
بين قراءة قانونية ترى الامر العسكري "غير رجعي" لا يطال من اعتقلوا قبل صدوره واخرى تحذر من توسيعه ليشمل الجميع، تبقى عائلات كعائلة الاسير اسامة بني فضل في منطقة القلق ذاتها، اذ تصرح والدته انها استقبلت الخبر بـ"غضب وحزن ونفسية صعبة" وان نفسيات افراد الاسرة "متعبة" لكنها تتمسك بما تسميه "الامل بالله".
وتظهر اخر معطيات مؤسسات الاسرى الفلسطينية ان عدد الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال تجاوز 9400 اسير حتى بداية مايو/ايار الحالي، بينهم عشرات الاسيرات ومئات الاطفال والمعتقلين الاداريين.
ويبلغ عدد الاسرى المحكومين بالمؤبدات نحو 117، اضافة الى مئات الموقوفين الذين ما تزال محاكمهم جارية ويواجه بعضهم احكاما قد تصل الى السجن المؤبد، وفق معطيات مؤسسات الاسرى.







