صرخة هند رجب تدوي في الأمم المتحدة: قصة طفلة هزت ضمير العالم

في كل بيت صورة تظل عالقة، وفي قلب كل أم فراغ لا يملؤه شيء، لكن وجع وسام حمادة، والدة الطفلة هند رجب، كان فريدًا، فهي لم تفقد ابنتها فحسب، بل سمعت خوفها الأخير، وارتجاف صوتها، واستغاثتها الصغيرة وهي محاصرة بالموت في سيارة باردة بشوارع غزة.
وحين ظهرت وسام أمام لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الشعب الفلسطيني، لم تتحدث كناشطة سياسية، بل كأم تنتظر ابنتها لتفتح الباب وتدخل ضاحكة كعادتها، بدأت حديثها بصوت مثقل: "أحلى فرحة بحياتي كانت هند"، ثم صمتت، تحاول منع دموعها من إسقاط الكلمات.
واضافت أن عيد ميلاد هند مر مؤخرًا، وأصبح يوم ميلادها موعدًا جديدًا للحزن، كانت هند تعشق البحر، وتعتبر يوم ميلادها عيدًا للحياة، آخر احتفال لها في غزة كان مميزًا، اجتمعت العائلة بأكملها، وكأنهم يلتقطون الصورة الأخيرة.
وبينت الأم أن هند لم تكن كباقي الأطفال في عمرها، كانت في الخامسة، لكنها تتحدث كأنها أكبر، تساعد في البيت، وتشاركها الأفكار، وتذهب معها إلى السوق والبحر، وتجلس بجانبها كصديقة لا كطفلة.
وقالت الأم: "كنت أشعر أنها رفيقة دربي، ولما رحلت أخذت راحتي وفرحتي معها".
لكن غزة، التي اعتادت خطف أحلام أطفالها، لم تمنح هند وقتًا لتكبر، في ذلك اليوم، كانت العائلة في سيارة تحاول النجاة، الرصاص يقترب، والدبابة الإسرائيلية تسير بجانبهم، اتصلت ليان، قريبة هند، بالهلال الأحمر وهي ترتجف.
واوضحت ليان "عمو.. يطلقون علينا النار.. الدبابة بجانبنا".
وحاول الموظف تهدئتها، وسألها إن كانوا مختبئين، لكن الكلمات انقطعت تحت صوت الرصاص، صراخ، إطلاق نار كثيف، ثم صمت.
وبعد لحظات، رن الهاتف مجددًا، لكن الصوت هذه المرة كان لطفلة صغيرة نجت وحدها بين الجثث.
وسالت الطفلة "ألو.. كلهم ميتين؟"، كان ذلك صوت هند رجب، تسأل سؤالًا لا يجب أن يعرفه الأطفال.
وسالها موظف الهلال الأحمر بصوت مرتبك: "أين أنتِ يا حبيبتي؟"، فأجابت بصوت خافت: "في السيارة"، ثم همست الجملة التي هزت قلوب الملايين: "الدبابة بجانبي".
واظهرت الطفلة وصف الموت وهو يتحرك حولها، وصف جنازير الدبابة وهي تقترب، بينما هي محاصرة داخل السيارة بين جثث أقاربها.
وحاول الرجل أن يطمئنها: "لا تخافي.. سأبقى معكِ".
لكن هند، بصوتها المرتجف، طلبت شيئًا واحدًا فقط: "تعالوا خذوني.. أمانة تعالوا خذوني".
لم تطلب دمية، لم تطلب أمها، لم تطلب البحر، كانت تريد النجاة فقط، والعالم يسمعها.
وتقول الأم وسام إنها لا تستطيع نسيان تلك اللحظة، كيف يمكن لأم أن تسمع طفلتها تتوسل النجاة من دبابة؟ كيف يمكن لقلب أم أن يعيش بعد سماع ابنتها تستغيث ولا تستطيع الوصول إليها؟
وكشفت الأم أن ابنتها أعدمت بـ 335 رصاصة، اخترقت جسد طفلة كانت قبل أيام تختار كعكة عيد ميلادها وتخطط للذهاب إلى البحر.
لكن وسام، رغم انكسارها، لم تتحدث عن هند وحدها، كانت تتحدث عن آلاف الأمهات في غزة اللواتي دفن أبناءهن دون وداع، وعن أطفال ظلوا يصرخون تحت الأنقاض حتى اختفت أصواتهم.
وقالت بصوت مرير وغاضب: "هذه ليست أرقامًا في التقارير، هؤلاء بشر لهم وجوه وذكريات وحياة".
ثم سالت العالم سؤالًا أثقل من كل الخطب السياسية: "هل تعرفون كيف يشعر الطفل حين يجوع فيرسم الطعام بدلا من أن يأكله؟".
وفي القاعة، لم يكن هناك ما يقال، لأن هند، الطفلة التي كانت تخاف من صوت الدبابة، تحولت بعد رحيلها إلى صوت غزة كلها.
وبينت الام ان هند كانت تحلم بعيد ميلاد جديد، وبنزهة إلى البحر، وبحياة عادية، لكن آخر ما بقي منها في ذاكرة العالم كان همستها المرتجفة: "تعالوا خذوني"، ولم يأتِ أحد.
وبينما كانت الصغيرة تتشبث بصوت على الهاتف وتنتظر يدًا تمتد لإنقاذها، كان الموت قد سبق العالم إليها، أسرع من كل النداءات والإدانات والشجب، وأقرب من كل الوعود.







