من فلسطين الى مكة.. الاردن محطة ايمانية لحجاج الداخل

في كل عام تتجدد قصة حجاج فلسطين من الداخل المحتل، المعروفين بعرب الـ48، وهم يعبرون الاردن في طريقهم الى الديار المقدسة، في مشهد يتعدى كونه رحلة دينية، حاملا ابعادا انسانية ووطنية ووجدانية عميقة، تمتزج فيه مشاعر الشوق الى مكة بملامح الانتماء والهوية والاحتضان العربي.
ومع انطلاق اولى قوافل الحجاج هذا العام، بدا المشهد في الاردن اشبه بمحطة عبور روحية كبرى، حيث تتجه عشرات الحافلات نحو الجنوب، ووجوه الحجاج تفيض بالدعوات والحنين، بينما تستقبلهم المدن الاردنية كما لو انهم اهل يعودون الى ديارهم بعد غياب طويل.
واكد وزير الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية محمد الخلايلة في مؤتمر صحفي ان المملكة تستقبل سنويا نحو 4500 حاج من فلسطينيي الداخل لاداء مناسك الحج، تحت اشراف كامل من وزارة الاوقاف الاردنية، موضحا ان نحو 40 حافلة قد انطلقت بالفعل نحو الاراضي المقدسة، بينما وصل عدد من الحجاج الى المدينة المنورة.
واوضح الخلايلة ان الوزارة استكملت مبكرا تجهيز المساكن والفنادق واستقبال البعثات الادارية والارشادية والطبية، مشيرا الى ان الحاج من عرب الـ48 يعامل معاملة الحاج الاردني بالكامل، سواء من حيث النقل او الاقامة او الرعاية الصحية او الارشاد الديني.
ولا تبدو هذه الرحلة مجرد ترتيبات موسمية عابرة، اذ تعود جذورها الى عام 1978، حين جرى التوصل في عهد الملك الحسين بن طلال الى ترتيبات خاصة بالتنسيق مع السعودية، تقضي بمنح حجاج الـ48 جوازات سفر اردنية مؤقتة تتيح لهم اداء مناسك الحج والعمرة، في خطوة حملت بعدا سياسيا وانسانيا لحماية حقهم في الوصول الى الاماكن المقدسة.
ويقول الخلايلة ان المملكة لا يمكن ان تتخلى عن هذه المهمة، مؤكدا استمرار الاردن في مساندة الشعب الفلسطيني كما فعل تاريخيا، وموضحا ان حجاج الـ48 تشملهم البعثات الطبية والادارية وبعثات الوعظ والارشاد، كما تسهل لهم رحلات العمرة طوال العام باشراف وزارة الاوقاف والجهات الرسمية المختصة.
وفي محافظة معان جنوبي الاردن، كان المشهد اكثر دفئا وانسانية، فقد استقبلت واحة الحجاج الدفعة الاولى من حجاج الـ48 وسط اجواء ايمانية وشعبية لافتة، حيث اصطفت وفود المستقبلين بالقهوة العربية والتمر والدعوات الصادقة بـ حج مبرور وسعي مشكور.
وقال محافظ معان خالد الحجاج ان المحافظة سخرت جميع امكاناتها لخدمة ضيوف الرحمن، مؤكدا ان استقبال حجاج الـ48 يحمل ابعادا وطنية ودينية وانسانية كبيرة، ويجسد عمق العلاقة الاخوية المتجذرة بين ابناء الشعب الواحد.
وفي الواحة لا تبدو الضيافة مجرد واجب بروتوكولي، فالاهالي اعتادوا سنويا اقامة سبيل المقام، حيث يتطوع ابناء المحافظة لتقديم الطعام والشراب والفواكه والقهوة للحجاج، في صورة تختزن ذاكرة المكان وروح التكافل الاردنية التي ترى في خدمة الحجاج شرفا قبل ان تكون مهمة.
وقال رئيس لجنة حج مسلمي الـ48 زياد شربجي ان الاجراءات منذ انطلاق الحجاج من الاراضي الفلسطينية مرورا بالاراضي الاردنية جرت باجواء مريحة ومنظمة عكست روح التعاون والاهتمام بالحجاج، مشيرا الى ان اهالي مدينة معان جنوبي الاردن استقبلوا الحجاج اجمل استقبال، الى جانب التسهيلات التي قدمتها الاجهزة الامنية الاردنية.
واوضح شربجي ان هناك لجانا وترتيبات داخلية ترافق الحجاج، حيث يوجد مسؤولون من اللجنة في المدينة المنورة، اضافة الى فريق اخر في مكة المكرمة لتنسيق شؤون الحجاج وترتيب احتياجاتهم، مؤكدا وجود تنسيق مستمر مع وزارة الاوقاف الاردنية.
واضاف انه حتى اللحظة لم تسجل اي معيقات من قبل الاحتلال خلال رحلة الذهاب، معربا عن امله في ان تستمر التسهيلات ذاتها خلال رحلة العودة.
وبين الحافلات العابرة نحو الجنوب تختلط اصوات التلبية بلهجات فلسطينية واردنية متقاربة، فيما تبدو الحدود السياسية اقل حضورا امام وحدة المشهد الانساني، فالحاج القادم من الناصرة او ام الفحم او سخنين يجد في الاردن امتدادا طبيعيا لرحلته، ونافذة عبور تحفظ له حقه في الوصول الى مكة رغم تعقيدات السياسة والجغرافيا.
ومن جهته قال رئيس بعثة حجاج الـ48 عبد الرازق ابو راس ان رحلة الحجاج منذ مغادرتهم الاراضي الفلسطينية مرورا بالاردن وحتى وصولهم الى الديار المقدسة تسير بسلاسة ودون تعقيدات تذكر، مؤكدا ان الحجاج عاشوا اجواء روحانية وايمانية جميلة عكست فرحة اداء مناسك الحج.
واضاف ان الحجاج لمسوا تعاونا كبيرا من الجهات الرسمية والاجهزة الامنية الاردنية التي قدمت التسهيلات اللازمة على امتداد الرحلة، مثمنا كذلك جهود المملكة العربية السعودية في خدمة ضيوف الرحمن وتوفير الظروف المناسبة لاداء المناسك بكل يسر وطمانينة.
واعرب عن امله في ان تتم رحلة العودة بالسهولة نفسها ودون اي معيقات تذكر، بما يضمن عودة الحجاج الى اهلهم سالمين بعد اتمام مناسكهم.
ورغم التسهيلات الاردنية اشار الخلايلة الى ان بعض حجاج الضفة الغربية يواجهون احيانا تاخيرات واجراءات معقدة على المعابر الواقعة تحت سيطرة الاحتلال، خاصة خلال العودة من الحج، موضحا ان بعضهم اضطر الموسم الماضي للانتظار لساعات طويلة بسبب الازدحام والاجراءات الحدودية.
لكن بالنسبة لكثير من حجاج الـ48 فان الرحلة تبقى اكبر من مشقة الطريق، انها رحلة تختبر الصبر والايمان، وتحمل في تفاصيلها شعورا مضاعفا بالوصول، وصولا الى مكة، ووصولا الى حضن عربي لا يزال يفتح ابوابه لهم كل عام، ويصر على ان تبقى الطريق الى الحج ممكنة، مهما تعقدت الخرائط.







