السعودية تنجح في كبح التضخم بفضل استقرار سوق العقارات

في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وارتفاع الضغوط السعرية، تبرز السعودية كنموذج مختلف، حيث تواصل معدلات التضخم فيها التباطؤ لتسجل مستويات من بين الأدنى عالميا، ويأتي هذا الأداء مدعوما باستقرار الإيجارات والإجراءات التنظيمية التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين العرض والطلب.
ويعكس هذا النجاح فاعلية التدابير الاستباقية التي اتخذتها الحكومة، والسياسات المالية والنقدية التي ساهمت في عزل السوق المحلية عن تداعيات الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
وقد أظهرت أحدث البيانات الإحصائية تباطؤ معدل التضخم في شهر ابريل الى 1.7 في المائة على أساس سنوي، وذلك وفقا للهيئة العامة للإحصاء.
وتتوقع وزارة المالية السعودية أن يتباطأ التضخم في المملكة في عام 2026 إلى حدود 2 في المائة، مقارنة بـ 2.3 في المائة في عام 2025.
وجاء هذا التباطؤ مدعوما بتسجيل وتيرة أبطأ لارتفاع تكاليف السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 3.8 في المائة مقارنة بمستوياتها السابقة.
كذلك يشير استقرار الإيجارات الفعلية للمساكن عند 4.8 في المائة للشهر الثاني على التوالي، إلا أن السوق بدأت بالفعل استيعاب التدابير التنظيمية، وهو ما يثير تساؤلا حول ما إذا كانت المملكة قد دخلت فعليا مرحلة كبح الإيجارات المستدامة.
ويرى الخبراء أن هذا الاستقرار يفتح المجال لمزيد من التراجع في الفترة المقبلة، خصوصا مع اعتماد اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة والهادفة إلى رفع كفاءة المنظومة العقارية وتحقيق توازن بين العرض والطلب.
فمن المتوقع أن تسهم هذه الرسوم في زيادة المعروض العقاري، ما سينعكس بدوره على انخفاض الأسعار وتراجعها على المستوى العام في المملكة، بما يعزز مكانتها بوصفها أحد أكثر اقتصادات مجموعة العشرين قدرة على كبح الضغوط السعرية.
ومن المعلوم أن الحكومة كثفت جهودها لخفض أسعار العقارات في الفترة الماضية، بتوجيه من ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، لتنفيذ عدد من الإجراءات في هذا الشأن وتحقيق التوازن في القطاع العقاري.
وقد تباطأ نمو أسعار مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود إلى 3.8 في المائة خلال ابريل على أساس سنوي، ليسجل أدنى معدل زيادة منذ بداية العام الحالي.
كما استقر تضخم الإيجارات الفعلية للمساكن للشهر الثاني على التوالي عند 4.8 في المائة، وهو أيضا أقل معدل ارتفاع منذ مطلع 2026.
وعلى أساس شهري ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.2 في المائة مقارنة بشهر مارس، نتيجة زيادة أسعار الأغذية والمشروبات والسكن والطاقة.
في المقابل أسهم استقرار أسعار النقل وتراجع بعض بنود الأثاث والملابس في الحد من تسارع التضخم، ما أبقى المعدلات ضمن مستويات معتدلة مقارنة بالأسواق الإقليمية والعالمية.
في المقابل تسارع نمو أسعار الأغذية والمشروبات إلى 0.6 في المائة خلال ابريل مقارنة بشهر مارس، مدفوعا بارتفاع أسعار الأغذية بشكل رئيسي.
كما ارتفعت أسعار النقل بنسبة 1 في المائة على أساس سنوي، إلا أن ذلك يمثل تباطؤا مقارنة بالشهر السابق، ما أسهم في الحد من تسارع التضخم الكلي.
وفي هذا الإطار أكد مختصون عقاريون أن تحركات الحكومة فيما يخص المنظومة العقارية ستسهم في تراجع الأسعار التي بدورها ستخفض التضخم في السعودية خلال المرحلة المقبلة تدريجيا، مبينين أن مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود تعد من المجموعات ذات الوزن الكبير المؤثر على المعدل.
ورد المستشار الدكتور أسامة بن غانم العبيدي التباطؤ إلى استقرار إيجارات السكن، خصوصا مع اعتماد لائحة رسوم العقارات الشاغرة التي تفرض رسوما سنوية تصل إلى 5 في المائة من قيمة المبنى.
وأوضح أن اللائحة التنفيذية ستحفز الملاك على استغلال عقاراتهم الشاغرة وعرضها في السوق، ما يؤدي إلى زيادة المعروض ومن ثم إلى خفض أسعار الإيجارات التي بدورها سوف تؤثر على معدل التضخم العقاري نتيجة تحقيق التوازن بين العرض والطلب.
وأشار إلى أن اللائحة الجديدة جاءت بعد سلسلة من الإجراءات الحكومية من خلال فرض رسوم على الأراضي البيضاء وتنظيم الأراضي غير المطورة إلى جانب تثبيت الإيجارات لمدة 5 سنوات إضافة إلى تطوير مشروعات سكنية واسعة وتحفيز المطورين على زيادة المعروض العقاري في مسعى لتحقيق توازن أكثر استدامة بين العرض والطلب، ما سيؤدي لزيادة خفض التضخم العقاري ومن ثم تراجع معدل التضخم بشكل عام.
بدوره ذكر المختص في الشأن الاقتصادي أحمد الشهري أن تباطؤ معدل التضخم السنوي في السعودية جاء مدعوما باستقرار مجموعة الإيجارات الفعلية للمساكن، مؤكدا أن التحركات الحكومية فيما يتعلق بالمنظومة العقارية أسهمت في تهدئة وتيرة ارتفاع تكاليف السكن.
واضاف الشهري أن هذا التراجع جاء بالتزامن مع اعتماد اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة بهدف تعزيز المعروض العقاري وتحفيز ملاك الوحدات غير المستغلة على ضخها في السوق، متوقعا أن تسهم هذه الخطوة في نزول أكبر في أسعار الإيجارات خلال المرحلة المقبلة بشكل تدريجي بعد تحقيق توازن أكبر بين العرض والطلب وبما يخفف الضغوط على أسعار الإيجارات ويعزز استقرار سوق الإسكان، الأمر الذي قد يدعم استمرار تباطؤ التضخم عند مستويات منخفضة مقارنة بعدد من الاقتصادات الإقليمية والعالمية.
وأوضح أن أسعار العقارات تعد من المجموعات ذات التأثير الأكبر على التضخم، ومن ثم فإن تراجع المنظومة في المملكة بشكل عام يسهم في انخفاض المعدل بشكل تدريجي خلال الفترة المقبلة.
وتظهر البيانات والتحركات التشريعية المتسارعة أن المملكة تعمل بشكل استباقي على معالجة جذور التحديات السعرية، لا سيما في القطاع العقاري الذي يمس جودة حياة المواطن، ومع دخول اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة حيز التنفيذ الفعلي وتكاملها مع برامج الإسكان وزيادة المعروض، يبدو أن الاقتصاد السعودي يمضي بثبات نحو ترسيخ مرحلة من الاستقرار السعري المستدام ما يعزز جاذبية البيئة الاستثمارية ويدعم قدرة الأسر على التخطيط المالي طويل الأمد.







