تكنولوجيا الحرمين: اتصال سحابي يجسد التمكين الرقمي بلمسة ايمانية

في خطوة ضرورية لمواكبة التطور التكنولوجي المتسارع، دشنت الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي نظام الاتصال السحابي لإجابة السائلين، ليجسد هذا المشروع مفهوم "التمكين الرقمي بلمسة ايمانية"، محولا التكنولوجيا إلى وسيلة حية تسهل على المسلمين أداء شعائرهم بيسر وطمانينة.
ووفقا لما أوردته وكالة الانباء السعودية (واس)، فان نظام الاتصال السحابي يعد منظومة تقنية متكاملة تهدف إلى تطوير الية استقبال المكالمات الشرعية وتحويلها بمرونة فائقة، حيث يرتكز النظام على التوجيه الذكي، اذ يتم ربط السائل اليا باقرب مفت او فقيه متاح، مع تحويل المكالمات مباشرة إلى الهواتف الشخصية للفقهاء.
وهذا التحول السحابي يعني الغاء القيود الجغرافية والزمنية، فالمفتي لم يعد مضطرا للتواجد في كبينة محددة داخل الحرم، بل يمكنه ممارسة دور الارشاد من اي موقع عبر النظام المؤمن، مما يرفع من الطاقة الاستيعابية لاستقبال استفسارات القاصدين على مدار الساعة.
وتتجاوز فوائد هذا النظام الجانب التنظيمي لتلمس جوهر التجربة التعبدية للحاج والمعتمر، وذلك من خلال سرعة الفتوى في المواقف الحرجة، فمثلا اثناء اداء الطواف او السعي، قد يواجه المعتمر او الحاج تساؤلا شرعيا طارئا يؤثر على صحة نسكه، وهنا ياتي النظام السحابي ليوفر استجابة فورية، مما يزيل الحيرة والارتباك عن القاصد ويضمن له اتمام شعيرته.
واضافة إلى تخفيف الازدحام، فان النظام يسهم في تخفيف الازدحام داخل اروقة المسجد الحرام، فيقلل من تجمع السائلين حول مكاتب الافتاء الميدانية، محولا الخدمة إلى "رقمية شخصية" يمكن الحصول عليها من اي بقعة داخل الحرم عبر الهاتف، مما يحافظ على هدوء المكان وسكينته.
ويشير القائمون على هذا المشروع إلى انه يتميز باثراء الوعي الشرعي بلغات متعددة، حيث يرتبط النظام السحابي بمنظومة الترجمة الفورية، مما يتيح لغير الناطقين بالعربية الوصول إلى الارشادات الدينية بلغاتهم الام، وهو ما يعزز من شمولية الرسالة الايمانية لتصل إلى كافة شعوب العالم بوضوح ودقة.
ولم تعد التكنولوجيا اليوم مجرد اداة تواصل او وسيلة للعمل، بل اضحت "محرابا رقميا" يحمله المسلم في جيبه، ورفيقا يعين على الطاعة ويحفز على القرب من الله، ويرى كثير من المراقبين انقلاب المعادلة التي كانت ترى في المشتتات الرقمية عائقا امام الخشوع، لتصبح الحلول الذكية وسيلة لتسخير التكنولوجيا في خدمة العبادة.
وتشير التقارير إلى ان التكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة للاتصال او الترفيه، بل تحولت خلال السنوات الاخيرة إلى جزء اساسي من الحياة الدينية اليومية لملايين المسلمين حول العالم، فمن تطبيقات مواقيت الصلاة والقران الكريم، إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تشرح الاحكام الشرعية او تساعد في حفظ القران، ظهرت موجة جديدة يمكن وصفها بـ "الرفيق الايماني" الرقمي، اي التكنولوجيا التي ترافق المسلم في عباداته اليومية وتساعده على اداء شعائره بسهولة ودقة اكبر.
وهذا التحول لم يعد ظاهرة هامشية، فقد اشار تقرير صادر عن ستاتيستا (Statista) إلى ان التطبيقات الدينية الاسلامية تعد من اكثر فئات التطبيقات نموا في بعض الاسواق الاسلامية، خصوصا خلال رمضان وموسم الحج، مع ارتفاع الاعتماد على الهواتف الذكية كمصدر اساسي للمحتوى الديني والتذكير بالعبادات.
فقبل عقدين فقط، كان المسلمون يعتمدون على التقويمات الورقية لمعرفة مواقيت الصلاة او على الكتب المطبوعة للفتاوى والاذكار، لكن اليوم، يمكن للهاتف الذكي ان يحدد بدقة اوقات الصلاة اعتمادا على الموقع الجغرافي، ويرسل تنبيهات للاذان، ويعرض اتجاه القبلة باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي اس ) والبوصلة الرقمية.
واضافة إلى ان تطبيقات كثيرة اصبحت بالنسبة لكثير من المستخدمين بمثابة "مرافق ديني دائم"، يجمع بين القران والتفسير والاذكار ومواقيت الصلاة والتنبيهات اليومية في منصة واحدة.
وتشير دراسة منشورة في مجلة الدين والاعلام والثقافة الرقمية (Journal of Religion, Media and Digital Culture) إلى ان الهواتف الذكية اصبحت تؤدي دور "الوسيط الديني الشخصي"، حيث لم تعد الممارسة الدينية مرتبطة فقط بالمسجد او الكتاب الورقي، بل انتقلت إلى المساحات الرقمية المحمولة.
والمرحلة الاحدث تتمثل في دخول الذكاء الاصطناعي إلى التطبيقات الاسلامية، فبدلا من عرض معلومات ثابتة فقط، بدات بعض المنصات تستخدم نماذج ذكية للاجابة عن الاسئلة الشرعية واقتراح خطط لحفظ القران او تقديم شروحات مبسطة للاحاديث والايات.
وكما بدات بعض المؤسسات الاسلامية والجامعات بتجربة ادوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي للاجابة عن الاسئلة الدينية بلغات متعددة، مع محاولة الالتزام بالمراجع الفقهية المعتمدة.
وفي تقرير نشرته مجلة ام اي تي تكنولوجي ريفيو (MIT Technology Review) الامريكية حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات الانسانية اشار إلى ان الانظمة الحوارية اصبحت تستخدم بشكل متزايد في الدعم النفسي والتعليمي والديني، بسبب قدرتها على التفاعل الشخصي السريع.
ويقول كثير من المستخدمين انهم لم يختاروا وجود التكنولوجيا في حياتهم، فذلك قدر فرضه التطور، لكنهم يقولون بانهم اختاروا طريقة حضورها، وحجم تاثيرها، والمكان الذي تحتله في سلم اولوياتهم، فالرفيق الايماني لا يختار بالصدفة، بل يبنى بالوعي والمجاهدة.
وحين يضع الانسان هاتفه في يده بنية الاستزادة والتعلم والاستفادة تتحول الشاشة الباردة إلى مرآة للروح، وتصبح التقنية ما اراد الله منها، سخرة للانسان، لا سيطرة عليه.







