من النفط إلى الرقائق: سباق الخليج نحو قوة اشباه الموصلات

قد لا يتجاوز قطر رقاقة السليكون المستخدمة في صناعة اشباه الموصلات 12 بوصة، لكنها تتحكم في مسار الاقتصاد العالمي وتحدد موازين القوة، بل وتدخل في صميم الحروب الحديثة، فلم تعد هذه التكنولوجيا مجرد مكون داخل الاجهزة، بل اصبحت اصلا استراتيجيا يعيد تشكيل النظام العالمي.
ولخص كريس ميلر هذا التحول في كتابه "حرب الرقائق" واصفا اشباه الموصلات بانها "النفط الجديد والمورد النادر الذي يعتمد عليه العالم الحديث"، ولم يعد هذا التصور نظريا، بل واقعا جيوسياسيا يتجلى في سباق الدول للسيطرة على تصميم وتصنيع الرقائق.
ولعقود تركزت هذه الصناعة في مراكز محدودة، وعلى راسها تايوان، ما جعل سلاسل الامداد العالمية عرضة للمخاطر مع تصاعد التوترات، واليوم تتجه دول عدة الى بناء ما يعرف بـ"مصانع رقائق سيادية" لتقليل الاعتماد الخارجي.
وفي هذا السياق تدخل دول الخليج مثل السعودية والامارات وقطر هذا السباق ضمن مساعيها لتنويع اقتصاداتها وتعزيز استقلالها التكنولوجي، لكن الطريق الى ذلك يمر عبر تحديات معقدة تتجاوز التمويل الى البنية التحتية والخبرة الصناعية المتراكمة.
هذا التوجه لا ياتي من فراغ، بل يتغذى على هشاشة متزايدة في سلاسل امداد اشباه الموصلات العالمية التي لم تعد محصورة في شرق اسيا فقط، بل تمتد جذورها الى مناطق حساسة جيوسياسيا مثل الشرق الاوسط.
وحتى الدول الصناعية الكبرى مثل كوريا الجنوبية التي تنتج نحو ثلثي رقائق الذاكرة عالميا عبر شركات مثل "سامسونغ الكترونيكس" و"اس كاي هاينيكس" تعتمد بشكل ملحوظ على تدفق مواد حيوية من الخارج، ومن هذه المواد يبرز الهيليوم كعنصر اساسي لا غنى عنه في تصنيع الرقائق.
ويكتسب هذا الاعتماد بعدا اكثر حساسية مع تمركز جزء كبير من انتاج الهيليوم عالميا في دول الخليج وعلى راسها قطر، ما يجعل اي اضطراب اقليمي سواء كان امنيا او لوجستيا قادرا على احداث تاثير متسلسل عبر الصناعة باكملها.
ولا يتوقف الامر عند المواد الخام، اذ تمر نسبة كبيرة من شحنات الطاقة والبتروكيماويات عبر مضيق هرمز احد اهم الممرات البحرية في العالم، ما يجعل استقرار هذا المسار عنصرا حاسما في استقرار صناعة الرقائق نفسها.
وبذلك تصبح محاولات بناء "مصانع رقائق سيادية" ليست مجرد مشاريع صناعية، بل استجابة مباشرة لهشاشة نظام عالمي مترابط.
في مقابل هذه الهشاشة تسعى دول الخليج الى تحويل موقعها من مجرد مستهلك للتكنولوجيا الى لاعب في انتاجها، مدفوعة بتسارع الطلب العالمي على رقائق الذكاء الاصطناعي التي تعتمد عليها الشركات الامريكية الكبرى مثل "ميتا" و"غوغل" و"مايكروسوفت" في تطوير نماذجها المتقدمة، خاصة مع الاعتماد المتزايد على وحدات معالجة الرسومات "جي بي يو" (GPU).
كما تتماشى هذه التحولات مع استراتيجيات اوسع لتنويع الاقتصاد مثل "رؤية السعودية 2030" التي تراهن على الصناعات المتقدمة لتقليل الاعتماد على النفط.
وتظهر تقديرات صادرة عن شركة ابحاث السوق "مارك اند سبارك سوليوشنز" ان سوق اشباه الموصلات في السعودية بلغ نحو 4.3 مليارات دولار في عام 2024، مع توقعات بنموه الى اكثر من 6.2 مليارات دولار بحلول عام 2030، مدفوعا بالتوسع في قطاعات مثل الاتصالات والطاقة والدفاع والذكاء الاصطناعي وانترنت الاشياء.
وفي هذا الاطار تعمل السعودية على بناء مركز وطني لاشباه الموصلات لجذب شركات تصميم الرقائق، مع خطط لاستقطاب عشرات الشركات وتدريب الاف المهندسين بحلول نهاية العقد، في محاولة لبناء قاعدة بشرية وتقنية تدعم هذا التوجه.
وتراهن الرياض على هذا المسار لبناء موقع لها ضمن سلاسل القيمة العالمية عبر جذب شركات كبرى مثل "انتل" و"كوالكوم"، الى جانب توسيع الشراكات مع لاعبين عالميين مثل "سامسونغ الكترونيكس" و"انفيديا".
ولا يقتصر هذا التوجه على الاستهلاك، بل يمتد الى بناء قدرات محلية في التصميم والتصنيع، مستفيدة من وفرة الطاقة وهي عنصر حاسم في تشغيل مصانع الرقائق كثيفة الاستهلاك للكهرباء الى جانب السعي لبناء منظومات بحث وتطوير وشراكات دولية.
ومع ذلك فان هذا الطموح يتقاطع مع تحولات جيوسياسية اوسع، بما في ذلك القيود المفروضة على تصدير التقنيات المتقدمة، ما يدفع دول المنطقة الى تسريع جهودها لتحقيق قدر اكبر من الاستقلال في هذا المجال بدل الاكتفاء بدور المستهلك.
لكن السؤال الذي يطرح اليوم هو الى اي مدى يمكن ترجمة هذه الطموحات الى واقع صناعي فعلي، في منطقة لم تكن تاريخيا ضمن المراكز الاساسية لصناعة اشباه الموصلات؟.
من حيث الفرص تستفيد دول الشرق الاوسط من تحولات عالمية تدفع نحو تنويع سلاسل الامداد وتقليل الاعتماد على مراكز تقليدية مثل تايوان، خاصة في ظل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، الى جانب الطلب المتسارع على رقائق الذكاء الاصطناعي الذي يفتح الباب امام لاعبين جدد في السوق في مجالات مثل التصميم والتجميع والخدمات.
لكن في المقابل تكشف خبرة الصناعة عالميا ان هذا القطاع شديد التعقيد حتى في مراكزه الراسخة، اذ تشير تقديرات الى ان استثمارات اشباه الموصلات عالميا قد تقترب من تريليون دولار بحلول عام 2030، دون ان يعني ذلك بالضرورة حل مشكلاته البنيوية.
فالتحديات تشمل ارتفاع التكاليف ونقص الكفاءات المتخصصة وتعقيد سلاسل الامداد، اضافة الى تركز المواد الخام والقدرات التصنيعية في عدد محدود من الدول، وهو ما يعكس ان التحدي ليس محليا او اقليميا فقط، بل جزء من طبيعة الصناعة نفسها.
وبحسب تقديرات صادرة عن منصة "انفستوبيديا" (Investopia) فان بناء مصنع متقدم لاشباه الموصلات يتطلب استثمارات قد تتراوح بين 15 و20 مليار دولار للمصنع الواحد، ضمن منظومة اوسع تشمل البحث والتطوير والتصميم والتغليف والاختبار، وهي سلسلة قيمة شديدة التعقيد تطورت على مدى عقود في مراكز صناعية محدودة عالميا.
ولا يقتصر التحدي على التمويل، بل يمتد الى راس المال البشري، اذ تعتمد الصناعة على مهارات تقنية عالية يصعب تطويرها بسرعة، ما يفرض الحاجة الى استقطاب خبرات من وادي السيليكون او شرق اسيا، في وقت تعاني فيه حتى الدول المتقدمة من نقص في المهندسين المتخصصين.
كما ان مصانع الرقائق تستهلك كميات هائلة من الطاقة والمياه فائقة النقاء، وهو ما يشكل تحديا اضافيا في بيئات تعاني من شح الموارد المائية، خاصة في دول الخليج التي تعتمد بشكل كبير على تحلية المياه كثيفة الاستهلاك للطاقة، فعلى سبيل المثال يتطلب انتاج شريحة واحدة من الحواسيب ما بين 8 الى 10 غالونات من الماء، بينما يحتاج مصنع رقائق واحد الى ملايين الغالونات يوميا.
الى جانب ذلك تبرز عقبة المعدات والمواد الكيميائية عالية النقاء التي يصعب تغيير مورديها بسبب معايير الجودة الصارمة.
ويزيد من تعقيد هذا المشهد البعد الجيوسياسي، اذ تؤدي القيود المفروضة على تصدير التقنيات المتقدمة الى الحد من قدرة الدول الناشئة على الوصول الى بعض المكونات الحيوية، خاصة في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي.
في النهاية لا يبدو ان السؤال يتعلق فقط بقدرة دول جديدة على الاستثمار في صناعة اشباه الموصلات، بل بمدى امكانية تفكيك واعادة بناء منظومة صناعية تشكلت عبر عقود من التراكم المعرفي وسلاسل الامداد المعقدة.
ففكرة "المعامل السيادية" تبدو جذابة سياسيا، لكنها تصطدم بطبيعة صناعة لا تختزل في بناء مصانع او ضخ استثمارات، بل في منظومة كاملة يصعب اعادة انتاجها خارج مراكزها التاريخية.
وفي جوهر هذا التحول يبدو ان الدول تتحرك داخل سباق لا يملك فيه اي طرف السيطرة الكاملة على قواعده.







