باريس والجزائر نحو صفحة جديدة: خطوات جادة لتجاوز الخلافات

في خطوة نحو تجاوز التوترات التي شهدتها العلاقات الجزائرية الفرنسية، تتجه الأنظار إلى مساعي جادة لرأب الصدع وتطبيع العلاقات بين البلدين بعد فترة من التباعد والجمود.
وكشفت مصادر مطلعة عن تكليف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للوزيرة المنتدبة لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، بمهمة حساسة تهدف إلى إعادة الدفء للعلاقات المتوترة مع الجزائر.
واضافت المصادر أن اختيار ماكرون لتاريخ الثامن من مايو، الذي يحمل رمزية خاصة لدى الجزائريين، لتكليف روفو بتمثيل فرنسا في مدينة سطيف لإحياء ذكرى الأحداث المأساوية، يعكس رغبة باريس في طي صفحة الماضي المؤلم.
وجاء في بيان صادر عن الرئاسة الفرنسية أن فرنسا تعترف بحقيقة تاريخها وتواجهها بصدق، مشيرا إلى القمع الذي تعرضت له المظاهرات في مدن سطيف وقالمة وخراطة عام 1945، والذي خلف آلاف الضحايا.
وتشير تقديرات جزائرية إلى أن القمع الفرنسي أسفر عن سقوط 45 ألف ضحية، حيث استخدمت الطائرات لقصف المتظاهرين المطالبين بالاستقلال.
وتنفيذا لتوجيهات الرئاسة، شاركت روفو إلى جانب نظيرها الجزائري عبد الملك تشريف، وزير المجاهدين وذوي الحقوق، في مسيرة رمزية بمدينة سطيف، ووضع الوزيران أكاليل الزهور أمام النصب التذكاري لضحايا أحداث 8 مايو 1945.
وتهدف البادرة الفرنسية إلى تحقيق مصالحة بين الذاكرتين الفرنسية والجزائرية، وإقامة علاقات قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، بما يخدم مصالح الشعبين.
وبينت مصادر دبلوماسية أن روفو ستبحث مع الجانب الجزائري الخطوات المقبلة لتعزيز العلاقات الثنائية، وإيصال رغبة الرئيس الفرنسي في استعادة حوار فعال يحترم المصلحة الوطنية لكل طرف.
وتامل باريس في استغلال التحسن النسبي في العلاقات مع الجزائر، الذي شهدته الأشهر الأخيرة، للوصول إلى تطبيع كامل للعلاقات، وهو ما يتطلب تسوية المشكلات العالقة بين البلدين.
واكدت المصادر أن ماكرون طلب من السفير الفرنسي في الجزائر، ستيفان روماتيه، العودة إلى ممارسة مهامه الدبلوماسية، والعمل على تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات.
وشددت المصادر على أن هذه الزيارة تأتي في أعقاب سلسلة من التطورات الإيجابية التي شهدتها العلاقات بين البلدين في الأشهر الأخيرة، بما في ذلك رحيل وزير الداخلية الفرنسي السابق، برونو روتايو، الذي كان يتبنى مواقف متشددة تجاه الجزائر.
واشارت المصادر إلى أن اعتقال الصحافي الفرنسي كريستوف غليز والكاتب الجزائري بوعلام صنصنال في الجزائر، وتوجيه اتهامات لموظف قنصلي جزائري في فرنسا، ساهم في تأجيج التوتر بين البلدين في الفترة الماضية.
واوضحت المصادر أنه على الرغم من توقف الزيارات الرسمية بين الجانبين، فإن التواصل غير المعلن استمر، وكذلك التعاون الأمني والاستخباراتي في مجال مكافحة الإرهاب.
وذكرت المصادر أن الوساطة الألمانية ساهمت في إقناع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بإصدار عفو عن صنصال، معربة عن أمل فرنسا في الإفراج عن غليز قريبا.
واعتبرت زيارة وزير الداخلية الفرنسي الجديد، لوران نونيز، إلى الجزائر في فبراير الماضي، محطة إيجابية مهدت لتحسن العلاقات بين البلدين.
وتبين المصادر أن ماكرون كلف رئيسة معهد العالم العربي، آن كلير لو جاندر، بمهمة في الجزائر، وتعد زيارة روفو استكمالا لها، كما قامت الوزيرة السابقة سيغولين رويال بزيارتين للجزائر لتهدئة الأجواء.
وختمت المصادر بالقول إن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة جديدة، لكنها لا تستبعد حدوث توترات في المستقبل، خاصة في ظل وجود ملفات خلافية عالقة، مثل ملف الذاكرة المشتركة والتجارب النووية الفرنسية في الجزائر.







