الواقعية السحرية… حين يصبح العجيب جزءا من الحياة اليومية

ليست الواقعية السحرية مدرسة للهروب من الواقع، كما يظن البعض، بل على العكس تماما, هي محاولة ادبية وفكرية لفهم الواقع بعمق اكبر، عبر كسر حدوده التقليدية. ففي هذا النوع من الكتابة، لا يظهر السحر بوصفه خرقا صادما للطبيعة، بل كعنصر عادي، يتعايش معه الناس كما يتعايشون مع المطر، والموت، والحب، والخسارة.
كيف وُلد المصطلح؟
ظهر مصطلح الواقعية السحرية في بداياته خارج الادب، وتحديدا في النقد الفني، قبل ان ينتقل الى الرواية والقصص. لكنه بلغ ذروة حضوره في ادب امريكا اللاتينية في القرن العشرين، حين وجد الكتاب ان اللغة الواقعية التقليدية عاجزة عن التعبير عن تاريخ مليء بالعنف، والاستعمار، والانقلابات، والاساطير الشعبية. فكان السحر هنا اداة تفسير، لا زينة لغوية.
السحر الذي لا يدهش احدا
اكثر ما يميز الواقعية السحرية هو طريقة التعامل مع الحدث غير المألوف. في هذا العالم، قد تصعد امرأة الى السماء، او يعود ميت ليتحدث مع الاحياء، دون ان يتوقف السرد طويلا لشرح ما حدث. لا دهشة، لا تعليق، ولا تبرير. فالعجيب لا يُعامل كاستثناء، بل كجزء من النظام الطبيعي للحياة.
هذا الاسلوب يعكس رؤية عميقة للواقع، خاصة في مجتمعات تختلط فيها الاسطورة بالدين، والذاكرة الشعبية بالتاريخ الرسمي، بحيث يصبح الفصل بين الحقيقي والمتخيل امرا غير ذي معنى.
الواقعية السحرية والواقع السياسي
رغم طابعها الخيالي، تعد الواقعية السحرية من اكثر الاساليب الادبية ارتباطا بالواقع السياسي والاجتماعي. فهي كثيرا ما استخدمت لتعرية الاستبداد، والعنف، والنسيان الجماعي، ولكن دون خطاب مباشر. فالحدث السحري يصبح استعارة، والمبالغة تتحول الى وسيلة لقول ما لا يمكن قوله بلغة مباشرة.
في هذا السياق، لم تكن الواقعية السحرية هروبا من الرقابة، بل شكلا من اشكال المقاومة الرمزية.
هل هي اسلوب ام رؤية للعالم؟
ينظر كثير من النقاد الى الواقعية السحرية ليس كاسلوب ادبي فحسب، بل كرؤية للوجود. فهي تفترض ان العالم اعقد من ان يُفهم بمنطق عقلاني صارم، وان التجربة الانسانية تشمل ما هو مرئي وما هو غير مرئي، وما يُقال وما يُكتم.
لهذا السبب، انتقلت الواقعية السحرية من ادب امريكا اللاتينية الى آداب اخرى، وظهرت بصيغ مختلفة في الرواية العربية، والافريقية، والاسيوية، كل حسب سياقه الثقافي.
الفرق بينها وبين الفانتازيا
من المهم التمييز بين الواقعية السحرية والفانتازيا. فالفانتازيا تبني عالما مستقلا بقوانينه الخاصة، بينما تنطلق الواقعية السحرية من عالم واقعي تماما، ثم تسمح للعجيب بالتسلل اليه دون ان يغير بنيته الاساسية. المكان مألوف، الشخصيات عادية، لكن ما يحدث فيها يتجاوز المنطق اليومي.
لماذا ما زالت مؤثرة حتى اليوم؟
في زمن تزداد فيه الازمات، وتتشابك فيه الحقيقة مع التضليل، تبدو الواقعية السحرية اكثر راهنية من اي وقت مضى. فهي تذكرنا بان الواقع ليس دائما عقلانيا، وان فهمه يتطلب احيانا لغة غير تقليدية، قادرة على احتواء التناقض، والغرابة، واللايقين.
الواقعية السحرية ليست كتابة عن السحر، بل كتابة عن الواقع حين يعجز الواقع عن شرح نفسه. هي اسلوب يكشف ان ما نعتبره غير معقول قد يكون، في بعض الاحيان، الطريقة الوحيدة لفهم ما نعيشه فعلا.







