مطالبات في ليبيا بتفعيل التقارير الرقابية ومحاسبة الفاسدين

طرابلس/بنغازي – في بلد يعاني من انقسام سياسي حاد ووجود حكومتين متصارعتين، تتحول أدوات الرقابة والمحاسبة تدريجياً إلى أسلحة في الصراع على السلطة، مما يغذي "وحش الفساد" بدلاً من كبحه. هذا هو الواقع المقلق الذي كشفه الصمت الذي قوبل به تقرير ديوان المحاسبة الأخير، والذي مر دون أن يثير نقاشاً مجتمعياً أو اهتماماً سياسياً جاداً.
ففي ظل الانقسام المؤسسي، أصبحت التقارير الرقابية، التي من المفترض أن تكون أساساً لملاحقة الفاسدين، مجرد أوراق تُستخدم بشكل انتقائي في المناكفات السياسية بين حكومتَي عبد الحميد الدبيبة في الغرب وأسامة حماد في الشرق.
ضعف المحاسبة وترسيخ الفساد
يرى مراقبون أن هذا الوضع أدى إلى "تغوّل الفساد وترسيخه وشرعنته". ويقول أسعد زهيو، رئيس "الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية"، إن "الفساد بات يتغذى على استمرار توظيف تقارير الأجهزة الرقابية كأدوات ضغط في صراع سياسي، بدلاً من استخدامها لكشف المخالفات وردع مرتكبيها".
ويلقي زهيو باللوم على البرلمان، الذي كان من المفترض أن يحرك دعاوى قضائية بناءً على ما ورد في التقرير، لكنه "انخرط كغيره في مناكفات مع الخصوم"، وغالباً ما يتسم تعامله مع التقارير بـ"الانتقائية"، حيث يركز على تجاوزات حكومة "الوحدة الوطنية" ويتغاضى عن أخرى.
دين عام متضخم وغياب للشفافية
يكشف تقرير ديوان المحاسبة عن أرقام صادمة، حيث بلغ الدين العام الليبي 270 مليار دينار حتى عام 2024. ويحذر المستشار السابق بالأمم المتحدة، إبراهيم قرادة، من أن هذا الإنفاق الموسع، في ظل تراجع أسعار النفط وغياب الشفافية، لن يؤدي فقط إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، بل سيمهد لترسيخ الفساد.
وينتقد قرادة ما أسماه "التقاعس البرلماني"، مشيراً إلى أن هناك ملفات حساسة "يتجنب الجميع الاقتراب منها خشية الاصطدام بشخصيات نافذة شرقاً وغرباً"، مثل ملف النفط الذي تحوم حوله شبهات فساد كبرى.
عجز مؤسسي
هذا الواقع أدى إلى ترسيخ انطباع عام بأن الأجهزة الرقابية نفسها أصبحت جزءاً من مشهد العجز المؤسسي. ويشير توفيق الشهيبي، رئيس "الهيئة العليا للتحالف الوطني"، إلى أن توظيف التقارير في التجاذبات السياسية أفقدها زخمها، وقلل من التعويل على النيابة العامة في ملاحقة "الحيتان الكبيرة"، حيث غالباً ما تطول القضايا "صغار الفاسدين" فقط.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، الذي تواصل فيه ليبيا احتلال مراكز متقدمة في مؤشرات الفساد العالمية، تبقى تقارير ديوان المحاسبة "وثائق قانونية لا تسقط بالتقادم"، لكن تفعيلها ومحاسبة المسؤولين الحقيقيين يبدو أمراً بعيد المنال في ظل استمرار الانقسام السياسي الذي يشل مفاصل الدولة.







