إيران عند مفترق طرق: هل ينجو النظام من أزمته الوجودية؟

واشنطن/لندن – في لحظة فارقة قد ترسم ملامح مستقبلها لعقود، تجد إيران نفسها عند مفترق طرق مصيري، تواجه فيه تحديات لم تعد تقتصر على العقوبات الاقتصادية أو الضغوط الخارجية، بل باتت تمس جوهر معادلة بقاء النظام نفسه.
وتتلخص المعضلة الوجودية التي تواجهها طهران في سؤال بسيط ومعقد: كيف يمكن قمع الاحتجاجات الداخلية المتنامية دون إشعال فتيل مواجهة خارجية، وكيف يمكن احتواؤها دون أن يؤدي ذلك إلى تآكل هيبة السلطة من الداخل؟ بين هذين الخيارين، تتقلص مساحة المناورة أمام النظام إلى مستوى غير مسبوق.
احتجاجات بنيوية أم موجة عابرة؟
يرى محللون أن الموجة الحالية من الاحتجاجات تختلف نوعياً عن سابقاتها. فامتدادها إلى المدن الصغيرة والمتوسطة، وحضورها النسائي القوي، وقيادتها من قبل فئة الشباب، كلها مؤشرات على تحول بنيوي في المزاج الشعبي.
ويصف فرزين نديمي، من معهد واشنطن، هذه الاحتجاجات بأنها "أكثر رسوخاً وانتشاراً"، حتى وإن لم تصل بعد إلى حجم بعض الاحتجاجات السابقة. ويشير مايكل روبين، من معهد "أميركان إنتربرايز"، إلى أن رمزية انطلاقها من سوق طهران، وتزامنها مع ضربات بددت هالة "الحرس الثوري"، يمنحها زخماً مختلفاً.
الاقتصاد: وقود الاحتجاج
لم تعد الأزمة الاقتصادية مجرد أرقام، بل تحولت إلى "وقود سياسي" مباشر للاحتجاج. ومع انهيار العملة وتآكل القدرة الشرائية، يتعمق الشعور بأن النظام عاجز عن تقديم حلول دون تقديم تنازلات سياسية جوهرية. ويرى أليكس فاتانكا، من معهد الشرق الأوسط، أن الاعتراض لم يعد موجهاً لسياسات بعينها، بل "لنموذج الحكم نفسه".
المؤسسة الأمنية: تماسك تحت الضغط
يشكل "الحرس الثوري" و"الباسيج" العمود الفقري لقدرة النظام على الصمود. ورغم أن هذه المؤسسات لا تزال متماسكة، إلا أن الضغوط المتراكمة تطرح تساؤلات حول مدى قدرتها على التحمل. ويحذر خبراء من أن الإرهاق الاقتصادي والاجتماعي قد يؤدي بمرور الوقت إلى تراجع الروح المعنوية وظهور تصدعات، حتى وإن ظل الانشقاق العلني غير مرجح على المدى القصير.
بيئة خارجية أكثر عدائية
تتضاعف المخاطر مع تحول في الخطاب الأميركي، الذي لم يعد يركز على الملف النووي فقط، بل بات الداخل الإيراني جزءاً من معادلة الضغط. ويرى محللون أن ما جرى في فنزويرا واعتقال الرئيس مادورو يحمل دلالات مقلقة لطهران، حيث "أضعف الافتراض بأن القادة محصنون من الاستهداف الشخصي".
وفي ظل هذا التشابك المعقد بين الداخل والخارج، ومع تحول الشبكة الإقليمية الإيرانية من ورقة قوة إلى عبء استراتيجي، تضيق الخيارات أمام طهران. ويبقى السؤال الجوهري: هل ما تواجهه إيران اليوم أزمة إدارة قابلة للاحتواء، أم أنها أزمة وجود حقيقية قد تغير وجه المنطقة بأكملها؟







