الوجه الاخر للذكاء الاصطناعي.. تكاليف قد تفوق توظيف البشر

مع تزايد اعتماد الشركات التقنية على الذكاء الاصطناعي وظهور فكرة وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على محاكاة التصرفات البشرية، إضافة إلى التطور المتسارع في قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي المختلفة، بدأت الشركات تفكر في الاعتماد على هؤلاء الوكلاء والنماذج بدلًا من الموظفين، مما أدى إلى موجة تسريحات واسعة النطاق.
وامتدت هذه التسريحات من كبرى الشركات التقنية وصولًا إلى الشركات الناشئة، حيث تصدرت "أوراكل" القائمة بتسريح 30 ألف موظف، تلتها "ميتا" و"مايكروسوفت" وشركات ناشئة أخرى.
وبينما تتحدث التقارير عن سعي الشركات لتسريح الموظفين والاعتماد على الذكاء الاصطناعي، يظهر جانب خفي لهذه التقنيات تتجاهله الشركات والتقارير على حد سواء.
وتهمل الشركات الكبرى تكلفة استخدام الذكاء الاصطناعي نظرًا لميزانياتها الكبيرة وقدرتها على تطوير نماذج خاصة بها، مثل "ميتا" التي تطور نسخًا بالذكاء الاصطناعي من موظفيها.
ولكن الحقيقة، كما يكشف تقرير نشرته وكالة "سي إن بي سي" الإخبارية، هي أن تكلفة الانتقال والاعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي قد تكون أعلى من تكلفة توظيف بشر للقيام بنفس المهام.
توفر شركات الذكاء الاصطناعي اشتراكات مدفوعة للمستخدمين والشركات، وبينما توجد تكلفة واضحة للاشتراك الشهري، تظهر تكلفة أخرى خفية عند استخدام أي نموذج بشكل تجاري، وهي "التوكنز".
ولتوضيح مفهوم "التوكنز"، يمكن اعتبارها عملات معدنية صغيرة تستخدم في المدن الترفيهية، حيث يجب إدخال العملة المعدنية في اللعبة لتتمكن من لعبها لفترة قصيرة، وإذا أردت زيادة المدة، تحتاج لإنفاق المزيد من "التوكنز".
ويحاكي استهلاك "التوكنز" مع أدوات الذكاء الاصطناعي هذا الاستهلاك، حيث يستهلك النموذج أو الوكيل "التوكنز" بشكل متفاوت بناءً على كل عملية أو أمر يتم توجيهه إليه.
وبينما تقدم الشركات مجموعة من "التوكنز" كهدية عند الاشتراك في خدماتها المدفوعة، فإنها تجبر العملاء التجاريين والشركات على شراء المزيد من التوكنز لإتمام المهام الخاصة بها أو الانتظار حتى تصبح متاحة مجددًا.
ويشير تقرير من موقع "كوينتيليغراف" إلى أن تكلفة التوكنز واستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي قد تتجاوز رواتب الموظفين البشر السنوية.
واكد المستثمر التقني مارك كوبان أن كلفة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي و"التوكنز" اللازمة للقيام بها أكثر من ضعفي تكلفة إيكال المهمة إلى موظف بشري.
ويتسق الأمر مع شكاوى مستخدمي نموذج "كلود" الأحدث "أوبوس 4.7" بكونه يستهلك الكثير من التوكنز، حسب تقرير نشره موقع "بيزنس إنسايدر"، إضافة إلى شكاوى المستخدمين في منصات التواصل الاجتماعي.
ويذكر تقرير "كوينتيليغراف" أن كلفة استخدام "كلود" يوميًا من التوكنز تصل إلى 300 دولار تقريبًا في حالة عمله بـ10% أو 20% فقط من قوته، مما يجعل كلفته السنوية تتخطى 100 ألف دولار، وهو راتب مهندس برمجيات ذي خبرة متوسطة.
ورغم القدرات الواسعة التي حصلت عليها نماذج الذكاء الاصطناعي، فإن منتجاتها ما زالت تحتاج إلى مراجعة العين البشرية للتأكد من خلوها من الأخطاء، ويزداد الأمر خطورة مع الشركات الكبرى التي تعتمد على التقنية.
واظهر تقرير نشرته مجلة "فوربس" أن غالبية الشركات التي دمجت الذكاء الاصطناعي في عملياتها تحتاج إلى موظفين يراجعون ما يقوم به الذكاء الاصطناعي لتجنب الأخطاء الكارثية، وهو ما يصفه التقرير باسم "الملاءة المعرفية".
ويشير هذا الأمر إلى أن الشركات لن تستطيع الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي ليصبح الموظف الوحيد دون وجود مراجعة بشرية، حتى إن تمكنت بعض الشركات الناشئة الصغيرة من القيام بذلك.
كما يزيد هذا الأمر من كلفة تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل غير مباشر، فبعد إنفاق آلاف الدولارات على "التوكنز" لإتمام المهام، تحتاج لتوظيف مراجع بشري ذي خبرة مرتفعة لمراجعة ما قام به الذكاء الاصطناعي.
تتحدث الشركات عن مفهوم وكلاء الذكاء الاصطناعي المتطورين القادرين على أداء العديد من الوظائف المتقدمة، ولكنها في الحقيقة تقصد مجموعة من خيارات الأتمتة المتطورة التي تقوم بالوظائف بشكل تلقائي، حسب تقرير نشرته شركة "أوراكل".
واكد تقرير "أوراكل" أن بعض الشركات تدّعي تطويرها لوكلاء ذكاء اصطناعي متطورين، ولكنها في الحقيقة تعتمد على أتمتة أطر العمل وتدمج الذكاء الاصطناعي بهذه الأتمتة.
ولا يمكن القول إن هذا الأمر خاطئ طالما تم توضيحه بشكل مباشر، ولكنه يؤكد أهمية معرفة احتياجات الشركة قبل الانتقال إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي، أي الاختيار بين ما يمكن لأطر الأتمتة القيام به وبين ما يحتاج وكيلا للذكاء الاصطناعي، وذلك لأن الأخير أكثر كلفة في التشغيل.
رغم أن الشركات تبيع اشتراكات الذكاء الاصطناعي بأسعار تقترب من 20 دولارا في بعض الأحيان للمستخدمين، فإن الأرباح الواردة من هذه الاشتراكات قد لا تكون كافية لتشغيل كافة خدمات الشركة.
ويظهر هذا الأمر مع شركة كبرى مثل "أوبن إيه آي" التي لم تصل إلى حالة الربحية حتى اليوم رغم أنها من كبرى شركات الذكاء الاصطناعي.
واوضح تقرير نشره موقع "وايرد" أن مبيعات خدمات الذكاء الاصطناعي التقليدية لا تكفي لتشغيل الخوادم والحفاظ عليها وتطويرها، وبالتالي ظهرت الحاجة إلى مفهوم "التوكنز" والاقتصاد القائم عليه.
لذلك، لا يمكن النظر إلى خدمات الذكاء الاصطناعي والاشتراكات التي تقوم الشركات ببيعها على كونها تحقق ربحا لهذه الشركات، بل هي أقرب إلى أداة لجذب المستخدمين وجعلهم ينفقون المزيد على أدوات الذكاء الاصطناعي من خلال "التوكنز" والخدمات الإضافية.
ومن هذا المنطلق، يصعب الحكم على مستقبل الوظائف في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولكن هناك أمرا واحدا مؤكدا حتى الآن، وهو أن تكلفة تشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي وصلت إلى مراحل تخطت كلفة توظيف الموظفين البشريين.
وبالتالي، قد لا يكون أمرا مجديا للعديد من الشركات استخدام الذكاء الاصطناعي، خاصة تلك التي تحتاج إلى مراجعة بشرية وتدقيق للحفاظ على خصوصية بياناتها.
وفي هذه الحالة، يظل العامل البشري هو الأقوى والسائد في اقتصاد تتحكم فيه "التوكنز" التي تتعمد الشركات استهلاكها بشكل سريع.







