مجلة عبرية: هل بدأت نهاية عقيدة الامن الدائم لاسرائيل؟

كشف مقال نشرته مجلة +972 الإسرائيلية أن إصرار إسرائيل على تحقيق "النصر الكامل" قد زج بها في سلسلة من الحروب المفتوحة، أبرزها المواجهة مع إيران، الأمر الذي يؤدي إلى تدهور الشرعية الدولية وتعميق التدهور الأخلاقي داخل المجتمع الإسرائيلي.
ويشير كاتبا المقال، عمير فاخوري، المحامي وعالم الاجتماع والمدير الأكاديمي لمركز نيسان في معهد فان لير بالقدس، بالاشتراك مع الصحفي ميرون رابابورت، إلى أن تسمية العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة تعكس تحولا في العقيدة القتالية.
وعقيدة الأمن الدائم لا تكتفي بإزالة التهديدات، بل تسعى إلى منع التهديدات المستقبلية عبر تدمير واسع للحياة المدنية وتهجير السكان، مع استبعاد أي حل سياسي لصالح الحل العسكري المستمر.
وبينما كانت إسرائيل تختار في السابق أسماء تقلل من وطأة العنف أو تعزز صورة الصمود، مثل "الدرع الواقي" عام 2014 و"السيوف الحديدية" بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فان اسم العملية الأخيرة في لبنان، "الظلام الأبدي"، يعكس، وفقا للكاتبين، توجها أكثر مباشرة نحو الدمار الشامل.
واستشهد الكاتبان بحملة قصف أسفرت عن مئات القتلى وآلاف الجرحى في لبنان، معتبرين أن الهدف لم يعد عسكريا فقط بل أقرب إلى الإبادة أو محو الوجود.
واضاف الكاتبان أن إسرائيل، رغم وقف إطلاق النار الحالي، تواصل تدمير القرى والبنى التحتية في جنوب لبنان بهدف إنشاء منطقة عازلة دائمة ومنع عودة السكان، في سياق يشبه ما يجري في غزة.
وينقل الكاتبان عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تصريحه بأن مئات الآلاف من اللبنانيين جنوب نهر الليطاني لن يسمح لهم بالعودة وأن منازلهم ستهدم.
ويرى فاخوري ورابابورت أن هذه السياسات تعكس تبني إسرائيل لما يسميه عالم الاجتماع السياسي الإسرائيلي ياغيل ليفي بـ"عقيدة الأمن الدائم".
وهي عقيدة لا تكتفي بإزالة التهديدات الحالية بل تسعى إلى منع التهديدات المستقبلية عبر تدمير واسع للحياة المدنية وتهجير السكان، مع استبعاد أي حل سياسي لصالح الحل العسكري الدائم.
ويؤكد الكاتبان أن هذه المقاربة ظهرت بوضوح في حرب غزة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما تبنى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شعار "النصر الكامل"، الذي تحول، بحسب الكاتبين، إلى سياسة قائمة على التدمير الواسع للمدن والبنى التحتية، واعتبرها الكاتبان جزءا من توجه شامل داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية.
ويشير المقال إلى أن ما كان يعرف سابقا بسياسة "إدارة الصراع" في غزة، عبر الحصار والقصف الدوري وضبط التوازن مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، قد انهار مع طوفان الأقصى.
لكن بدلا من البحث عن تسوية سياسية، اتجهت إسرائيل، وفقا لفاخوري ورابابورت، إلى توسيع نطاق القوة العسكرية ليشمل لبنان وسوريا واليمن وإيران، في إطار ما يسمونه "حربا دائمة بلا سقف قانوني أو سياسي".
ويذهب الكاتبان إلى أن الهجوم على إيران في يونيو/حزيران 2025 مثل تصعيدا جديدا في مفهوم "الأمن الدائم"، إذ لم يقتصر الهدف على ضرب منشآت عسكرية أو نووية، بل امتد إلى محاولة تغيير النظام السياسي نفسه في دولة كبرى ذات عمق حضاري وسكاني.
واشار الكاتبان إلى أن هذا المسار كشف حدود القوة الإسرائيلية، إذ لم يتحقق هدف إسقاط النظام الإيراني، بل انتهت الحرب إلى مأزق استراتيجي.
ونقل الكاتبان تصريحا لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال فيه إن "إسرائيل لا يمكنها العيش دون عدو"، محذرا من أن دولا مثل تركيا قد تصور كأعداء جدد في المرحلة المقبلة.
وفي تحليل أوسع، يرى الكاتبان أن الحرب الأخيرة لم تنتج "نظام أمن دائم" كما كان يفترض، بل كشفت عن تناقض جوهري: فكل تهديد يتم التعامل معه يولد تهديدا جديدا، ما يجعل الأمن نفسه حالة غير قابلة للتحقق الدائم.
ويضيف الكاتبان أن تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل في الولايات المتحدة، خصوصا داخل الحزب الديمقراطي، يعكس تحولا سياسيا متزايدا، قد يحد من قدرتها على مواصلة هذا النهج العسكري دون كلفة سياسية متصاعدة.
ويرى فاخوري ورابابورت أن انهيار كل من "إدارة الصراع" و"عقيدة الأمن الدائم" يترك إسرائيل في فراغ استراتيجي وأخلاقي، حيث تستمر القوة العسكرية في العمل دون هدف سياسي واضح، ويمتلئ الخطاب العام بلغة الإبادة.
واشار المقال إلى أن الجمهور الإسرائيلي بدأ يرى التصدعات، فرغم تباهي المعلقين والسياسيين بـ"الإنجازات الهائلة" في حرب إسرائيل وأمريكا مع إيران، أظهر استطلاع للقناة 13 أن 33% فقط يعتقدون أن إسرائيل وواشنطن فازتا في الحرب، بينما رأى 28% أن إيران هي من تغلبت.
ويختم الكاتبان بأن هذا الوضع قد يفتح الباب أمام احتمال ظهور مقاربة جديدة تقوم على التسوية والاعتراف بالحدود بدلا من وهم السيطرة بالقوة، لكن ذلك، كما يقولان، لن يحدث تلقائيا، بل يتطلب ضغطا دوليا وتغييرا داخليا في الوعي السياسي الإسرائيلي.







