الدكتور تيسير شواش يكتب: حين يخونك الرابط: رسالة توعوية لحماية نفسك من الجرائم الإلكترونية | قصة واقعية
حين يخونك الرابط: رسالة توعوية لحماية نفسك من الجرائم الإلكترونية
رسالة مفتوحة إلى المواطنين
في زمنٍ أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لم تعد الجرائم الإلكترونية مجرد حوادث فردية، بل تحوّلت إلى ظاهرة متنامية تهدد الأفراد والمجتمع في مختلف دول العالم. وتشير البيانات في الأردن إلى ارتفاع مقلق في هذا النوع من الجرائم؛ حيث تضاعفت قضايا وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية عدة مرات بين عامي 2015 و2022، لتتجاوز 16 ألف قضية، تنوّعت بين الذم والقدح، والتهديد، والاحتيال، والابتزاز الإلكتروني، واختراق حسابات الآخرين (وفق ما ورد في قناة رؤيا الإخبارية).
قصة واقعية: عندما يتحول حسابك إلى أداة للإيذاء
بدأت القصة بطلب صداقة عادي من شخص غير معروف. تجاهلته، لكن ما لم أتوقعه هو أن يتحول هذا الطلب إلى بوابة لاختراق حسابي على "فيسبوك". فجأة، أصبح حسابي يرسل روابط مشبوهة إلى أصدقائي. وبحسن نية، قام البعض بفتحها، ليفاجأوا بتعطّل تطبيق "واتساب" على هواتفهم.
لم يكن الأمر مجرد اختراق حساب، بل استغلالًا للثقة وتحويلها إلى وسيلة للإضرار بالآخرين.
عند مراجعتي لوحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية التابعة لمديرية الأمن العام في منطقة المقابلين، تم التعامل مع الحالة بسرعة وكفاءة عالية، حيث جرى حجب حساب المتطفل واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه، مما يؤكد أهمية الإبلاغ المبكر والتعاون مع الجهات المختصة.
كل الشكر والتقدير لقائد وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية وجميع كوادرها.
كيف يعمل المخترق؟ (الفخ النفسي قبل التقني)
بصفتي أخصائيًا نفسيًا، أؤكد أن الجرائم الإلكترونية ليست مجرد مهارات تقنية، بل هي في جوهرها سلوك إنساني تحكمه دوافع نفسية لدى المخترق، ونقاط ضعف طبيعية لدى الضحية.
أولاً: ما الدوافع النفسية للمخترق؟
في كثير من الحالات، لا يكون المخترق "عبقريًا تقنيًا" بقدر ما يكون مدفوعًا بعوامل نفسية، مثل:
• الرغبة في السيطرة والتفوق: شعور بالقوة عند اختراق الآخرين
• الانتقام
• الابتزاز المالي أو المعنوي
• التسلية وإثبات الذات (خاصة لدى المراهقين)
• سرقة البيانات وبيعها
• نشر التضليل أو بدافع الغيرة، خاصة في العلاقات الشخصية
• ضعف التعاطف مع الآخرين
وقد أكدت إحدى الدراسات الشاملة في هذا المجال، بعنوان:
"Characterizing Social Insider Attacks on Facebook" (منشورة في مؤتمر ACM CHI عام 2017)، أن:
• 24% من المشاركين اعترفوا بارتكاب هذا النوع من الاختراق
• 21% تعرضوا للاختراق
كما صنّفت الدراسة الدوافع الرئيسية إلى خمس فئات:
1. المتعة (Fun)
2. الفضول (Curiosity)
3. الغيرة (Jealousy)
4. العداوة (Animosity)
5. المنفعة (Utility)
الفخ النفسي: كيف يتم استدراج الضحية؟
لا يعتمد المخترق على التقنية فقط، بل يستغل نقاط ضعف نفسية طبيعية لدى الإنسان، منها:
• الفضول: عناوين مثيرة تدفعك للنقر دون تفكير
• الثقة الاجتماعية: عندما يأتي الرابط من "صديق"
• الخوف من تفويت شيء مهم (FOMO): مثل "شاهد من زار ملفك"
• الإلحاح الزائف: "الرابط سينتهي خلال دقائق"
هذه العوامل تُعطّل التفكير المنطقي وتدفعنا لاتخاذ قرارات متسرعة.
البعد النفسي لاختراق الحسابات
تشير بعض الدراسات إلى ارتباط هذه السلوكيات بسمات شخصية معينة، وعلى وجه الخصوص:
• الشخصية السيكوباثية (Psychopathy): تتسم بالتهور، وغياب الندم، وضعف الالتزام بالقيم الأخلاقية
• الشخصية النرجسية (Narcissism): حيث يعتقد الفرد أن له الحق في الوصول إلى حسابات الآخرين (كشريك أو قريب)
وهذه العوامل غالبًا ما تكون أكثر تأثيرًا من المهارة التقنية بحد ذاتها.
كيف تحمي نفسك؟ (خطة عملية من مستويين)
أولاً: الحماية التقنية
• تفعيل المصادقة الثنائية (2FA)
• استخدام كلمات مرور قوية ومختلفة لكل حساب
• مراجعة الأجهزة المتصلة بالحساب بشكل دوري
• تحديث معلومات استرداد الحساب
ثانيًا: الحماية السلوكية
• لا تضغط على أي رابط قبل التحقق منه
• لا تثق بالاسم… تحقق من السلوك
• لا تشارك كلمة المرور مع أي شخص
• تجنب فتح حساباتك على أجهزة الآخرين
• في حال الشك: غيّر كلمة المرور فورًا
ماذا تفعل إذا تعرضت للاختراق؟
• لا تدفع أي مبالغ مالية
• تواصل فورًا مع الدعم الفني للتطبيق
• أبلغ الجهات الرسمية، مثل وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية
• أخبر أصدقاءك بعدم التفاعل مع أي رسائل صادرة من حسابك
توصيات لتعزيز الحماية المجتمعية
1. نشر الثقافة الرقمية في المدارس والجامعات كمادة أساسية
2. ضرورة اطلاع المواطنين على قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 وفهم تبعاته القانونية
3. تنفيذ حملات توعوية وطنية مستمرة بالتعاون مع الجهات الأمنية، مع التركيز على فئة الشباب
4. تشجيع الإبلاغ وعدم الخجل من الوقوع ضحية
5. تعزيز دور الأسرة في توعية الأبناء بالاستخدام الآمن للتكنولوجيا
6. إدماج البعد النفسي في برامج التوعية لفهم أساليب الخداع
الخلاصة
علمتني هذه التجربة أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في التكنولوجيا، بل في الثقة غير المحسوبة. فالمخترق لا يخترق جهازك فقط، بل يستغل إنسانيتك: ثقتك، فضولك، ورغبتك في التواصل.
قبل أن تضغط على أي رابط…توقف لحظة، فكّر، وتحقق.لأن "صديقك" على الشاشة… قد لا يكون صديقك في الحقيقة.
تحية تقدير لمديرية الأمن العام ووحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية على جهودهم المتواصلة في حماية المجتمع،
وحفظ الله الأردن آمنًا مستقرًا
الاخصائي النفسي
الدكتور تيسير شواش
مرخص من وزارة الصحة الأردنية
مدير مركز المراد للاستشارات النفسية







