تهديدات حزب الله تلوح في أفق مفاوضات لبنان وإسرائيل.. هل يعود سيناريو 1983؟

في تصعيد لافت، يشن حزب الله هجوما على السلطة اللبنانية، معترضا على قرارها خوض مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ومصرا على وجوب تراجعها عن هذا المسار، مهددا بإسقاطه بالقوة، بحجة أن الأمر يتطلب تفاهما وطنيا شاملا مفقودا.
وتوعد الحزب بأن يكون مصير هذه المحادثات وأي اتفاق يصدر عنها مماثلا لاتفاق 17 مايو 1983.
والاتفاق الذي يعود إلى 43 عاما مضت عبارة عن معاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل، تضمنت ترتيبات أمنية تنهي حالة الحرب بين البلدين، وتؤدي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان وتنظيم وضع الحدود المشتركة.
وجاء هذا الاتفاق بعد اجتياح إسرائيل للبنان في يونيو 1982، وتمكنت من الوصول إلى العاصمة بيروت واحتلال أجزاء كبيرة من البلاد، وتلا ذلك انسحاب الفصائل الفلسطينية من لبنان وانتخاب رئيس جديد للجمهورية هو أمين الجميل الذي قاد المفاوضات.
الا ان هذا الاتفاق الذي تم برعاية أميركية، تراجعت عنه الحكومة اللبنانية في 5 مارس 1984، بعد رفض داخلي واسع من قوى لبنانية، خصوصا قوى وطنية ويسارية وإسلامية، ورفض سوري قاطع في وقت كان فيه الوجود العسكري السوري مؤثرا في لبنان.
وعلى الرغم من المعارضة الشرسة من قبل حزب الله لمسار التفاوض المباشر، ينظر إلى هذا المسار على أن ظروفه تختلف عما كان عليه الأمر في عام 1983، وهو ما يؤكده النائب عن حزب الكتائب اللبنانية الدكتور سليم الصايغ، مذكرا بأنه في 17 مايو 1983، كانت الحكومة اللبنانية والرئاسة والمجلس يواجهون سوريا وحلف وارسو وسوء نية إسرائيل وضعف الالتزام الأميركي مجتمعين.
واضاف الصايغ أن اليوم تغيرت الأحوال الإقليمية، وأصبح حزب الله بلا مدى حيوي استراتيجي، كما أن قدراته محدودة جدا، لافتا إلى أن أي خطوة ناقصة يقوم بها في الشارع تعني تحويل كل الشارع اللبناني ضده.
ويضيف الصايغ في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: إضافة إلى ذلك، هناك موقف صارم من الحكومة اللبنانية التي ستضرب بيد من حديد، مضيفا أن التشكيك في قدرة الجيش ليست في محلها، إذ إن لديه معرفة بالأرض حجرا وبشرا، وما كان ينقصه هو المعركة الواضحة المعالم، إذ إن أي جيش لا يستطيع أن يزج نفسه في معركة مفتوحة الأفق، إنما إذا أراد حزب الله الذهاب إلى الفوضى والفتنة، فإنه سيجد في وجهه جيشا متماسكا وشعبا موحدا.
وساد غضب واستياء كبير في صفوف جمهور الثنائي الشيعي (أمل وحزب الله) بعد تناقل صور ومشاهد الاجتماع الذي ضم السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن الثلاثاء الماضي، ما دفع إعلاميين وناشطين محسوبين عليهما للتهديد بأن يكون مصيره مثل مصير 17 أيار.
وقال النائب عن حزب الله حسن فضل الله في تصريح له إن هناك فئة كبيرة ترفض مسار السلطة، وهي من أسقطت مع القوى الوطنية اتفاق 17 أيار، ولن تسمح اليوم بتكرار التجربة، لافتا إلى أن الموضوع لا يخص الطائفة الشيعية فقط، إذ هي فئة أساسية من الشعب اللبناني وترفض مسار التفاوض المباشر، ولن يستطيع أحد تجاوز دورها.
ويعتبر الصايغ في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه لا إمكانية أيضا لدى الحزب لتشكيل أي بديل، كما كان يحدث مع جماعة سوريا بلبنان في الماضي، إذ كان كل تخريب في لبنان يصب في مصلحة سوريا، أما إسرائيل فكانت غارقة وقتها في تناقض داخلي أثر عليها بشكل كبير، ما جعلها تفضل الإدارة الأمنية للملف اللبناني بالتوافق مع سوريا تماما، كما حصل في اتفاق الخطوط الحمر الذي غطى دخول سوريا إلى لبنان عام 1976.
ولفت الصايغ إلى أن الفائدة راهنا من الفوضى صفرية بعد فصل المسارين اللبناني والإيراني، كذلك فإن إسرائيل لن تساوم على الملف اللبناني، إذ اكتشفت أن تقوية الدولة في بيروت يؤمن لها ما تريد جنوبا مع احترام السيادة اللبنانية على كل المستويات.
وإن كان أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور هلال خشان يوافق الصايغ على اختلاف الظروف بين المرحلتين، فإنه يبدو أكثر تشاؤما بما يتعلق بوضعية لبنان المقبلة، معتبرا أن الدور الأساسي لسوريا وقتها بإسقاط الاتفاق غير موجود اليوم، والصراع بين دمشق وتل أبيب على لبنان لا وجود له راهنا.
ويشير خشان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن ما تسعى إليه إسرائيل حاليا هو اتفاقية السلام تغطيها وتعطيها المشروعية لمواصلة قتال حزب الله، ويبدو واضحا ألا أحد يستطيع إيقافها، والقرار نهائي بالنسبة إليها بإنهاء الوجود العسكري للحزب.
ويرى خشان أن هذا التصعيد يحمل مخاطر من أن يكون لبنان يسير باتجاه حرب أهلية مع احتمالية تدخل سوريا انطلاقا من الشمال اللبناني، معتبرا أن ما يعزز هذا السيناريو هو انتشار عناصر الحزب في كل المناطق اللبنانية، ويضيف نخشى أيضا أن تؤدي هذه الحرب إلى انقسام الجيش كما تقسيم البلد.
ويعتبر خشان أن التفات حزب الله لتفجير الوضع الداخلي مرتبط بتطور المفاوضات بين لبنان وإسرائيل وما قد ينتج عنه، علما بأن إسرائيل نفسها لا تعول كثيرا على هذه المفاوضات.







