حين تحاصر الكفاءة… لماذا يستحق مصطفى الحمارنة الدعم لا التشكيك؟
ألاحظ بين الفترة والأخرى في الحياة الأردنية، معادلة غير مريحة تتكرر بصمت: كلما اقترب شخص من موقع مسؤولية وهو يحمل مشروع إصلاحي واضح، زادت نسبة الشك حوله بدل الثقة به، وكأننا،من حيث لا ندري، نعامل الكفاءة باعتبارها أمرا مريبا، لا قيمة يجبالاستثمار فيها.
ما جعلني اكتب ضمن هذا السياق، هو حالة الدكتور مصطفى الحمارنة كحالة تستحق قراءة مختلفة، فهو لم يأتِ من فراغ، بل من مسار طويل في العمل الأكاديمي والفكري والمؤسسي، فارتبط اسمه بمشاريع قائمة على التفكير النقدي، وبناء المؤسسات، وإشراك الكفاءات هذه ليست شعارات، بل ممارسات يمكن تتبع أثرها في كل موقع شغله.
الحمارنة لم يمنح مفتاحاً سحرياً أو منصباً للوجاهة وتلقي التهاني، بل أُلقي في حقل مليء بالألغام البيروقراطية التي تراكمت عبر عقود، ومطلوب منه اليوم أن يفكك هذه الألغام بهدوء، وسط ضجيج المشككين الذين ينتظرون عثرة القدم الأولى، الإصلاح ليس مجرد " تطبيق على الهاتف" أو أتمتة للمعاملات، بل هو انتزاع عقلية الواسطة والمحسوبية من جذورها. هو أن يشعر المواطن في قرى الشمال والجنوب أن كفاءته هي جواز سفره الوحيد، وليس رقم هاتفه أو من يعرف في العاصمة.
نحن أمام نحن أمام جهاز إداري يشبه تلك المكاتب المكدسة بالملفات الورقية والغبار، حيث "فنجان القهوة" أهم من إنجاز المعاملة، وحيث الموظف الكفء يجد نفسه محاصراً بذهنية " تعال بكرا" التي قتلت طموح الكثيرين قبله، فلذلك نحن بحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والخدمة العامة، حيث تذوب الفوارق بين سلطة القرار وعبء المساءلة الحقيقية، ليكون الموقع مجرد وسيلة لا غاية.
لكن ما يثير القلق أن النقاش حول هذه المهمة انحرف سريعًا من فبدلتقييم الرؤية والخطة، انشغل البعض بتفكيك الخلفيات، تلك ';الوشوشات'; في الصالونات السياسية، والتعليقات التي تُطلق خلف الشاشات دون علم، هي ما يغتال الأمل. فنحن بارعين في " تكسير المجاديف" قبل أن يبحر القارب، وكأن نجاح أي مسؤول في مهمته هو خسارة شخصية للآخرين، بينما الحقيقة أنه طوق نجاة لنا جميعاً.
المجتمعات التي تنجح في الإصلاح لا تفترض حسن النية بشكلأعمى، لكنها أيضًا لا تستهلك طاقتها في الهدم المسبق، وهناك فرقكبير بين النقد المسؤول، الذي يراقب الأداء ويحاسب عليه، وبين التحشيد الذي يسعى لإفشال التجربة قبل أن تبدأ. الأول ضرورة، أما الثاني فهو عبء على أي مشروع وطني.
إن منح الفرصة لا يعني غياب المحاسبة، بل يعني وضع معايير واضحة للحكم على الأداء، وإذا كان الحمارنة يمتلك ما يكفي من الخبرة والرؤية، فإن الاختبار الحقيقي يجب أن يكون في النتائج: هل استطاع تحسين كفاءة الجهاز؟ هل عزز الشفافية؟ هل فتح المجال أمام الكفاءات؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُطرح.
الأردن اليوم بحاجة إلى عقلية مختلفة في التعاطي مع التعيينات العامة سببها الأكبر – حكومات لم تنجح في تطوير القطاع – فلذلك لا ألوم الاحباط الموجود لدى الكثير من الشعب، فنحن نحتاج عقلية ترىفي النجاح مكسبًا جماعيًا، لا تهديدًا، وتدرك أن إضعاف أي تجربةإصلاحية لا يصيب صاحبها فقط، بل ينعكس على ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها.
في النهاية، لا أحد فوق النقد، لكن أيضًا لا ينبغي أن يكون أحد هدفًا للهدم المسبق، وبين الإفراط في التمجيد والإفراط في التشكيك، تضيع المساحة التي يحتاجها أي إصلاح لينمو.
لذلك، ربما يكون الموقف الأكثر عقلانية اليوم ليس الدفاع عن شخص،ولا مهاجمته، بل الدفاع عن فكرة: أن تُمنح الكفاءة فرصة حقيقية، وأنيُحكم عليها بإنصاف.
الكفاءة في بلدنا مثل نبتة برية تحاول النمو وسط الصخور؛ تحتاج منا أن نسقيها بالدعم لا أن ندهسها بالتشكيك. مصطفى الحمارنة، بما يحمله من إرث فكري، ليس بحاجة لشهادات حسن سير وسلوك منا، بل بحاجة لميدان عمل نظيف من الحروب الشخصية لنرى إن كان سينجح في ترتيب بيتنا الداخلي.
حمزة محمد الحراحشة







