تصدعات عميقة تهز الداخل الاسرائيلي: هل تعكس ازمة ثقة وقيادة؟

في ظل استمرار المؤسسة الاسرائيلية في تصوير الحرب كساحة تحقيق انجازات واستعادة الردع، تكشف تحليلات ومقالات الراي في الصحف العبرية عن صورة مختلفة تماما من الداخل.
فهذه النصوص لا تقتصر على مناقشة نتائج المعركة او حدود القوة، بل تفتح ملفا شاملا يتعلق ببنية الجيش، ومزاج المجتمع، وطبيعة الممارسات في الضفة الغربية، وقدرة القيادة على تحويل الانجاز العسكري الى مسار سياسي مستقر.
وما يجمع هذه المقالات هو انها صادرة عن كتاب من مواقع مختلفة داخل المجتمع الاسرائيلي، منهم باحث عسكري سابق، ومعلقون بارزون، ورئيس استخبارات سابق، مما يمنحها مصداقية اضافية في هذا التوقيت.
واكد رؤوفين غال ان ما انكشف في 7 اكتوبر لم يكن مجرد فشل عملياتي، بل فشل ثقافي وقيمي.
ونشر الكاتب رؤوفين غال مقالا في صحيفة هارتس تحت عنوان "هناك انهيار اخلاقي في الجيش الاسرائيلي، والجنود هم الضحايا الصامتون".
ويكتسب اسم الكاتب اهمية خاصة، فغال ليس مجرد كاتب راي، بل شغل سابقا منصب كبير علماء النفس في الجيش الاسرائيلي، ونائبا لرئيس قسم الدراسات العسكرية والاجتماعية، مما يضفي على قراءته وزنا خاصا لانه يتحدث من واقع خبرة طويلة في المؤسسة العسكرية نفسها.
وينقل الكاتب النقاش من مستوى الاداء الى مستوى القيم، حيث يرى غال ان الجيش ينهار متجاوزا كونه مجرد داء اخلاقي، ويكتب ان ما انكشف في 7 اكتوبر لم يكن مجرد فشل عملياتي، بل فشل ثقافي وقيمي.
واضاف ان اعدادا متزايدة من الجنود والضباط يعانون حاليا من احباط عميق وشعور بالخيانة لكل ما يعتزون به، ويظهر الكثير منهم اعراض الصدمة الاخلاقية وتداعياتها.
ويشير الى ان هذه الصدمة هي احدى جراح المجتمع الاسرائيلي الاقل تداولا في الوقت الراهن، لكنها تختبئ خلف خيبة الامل من انعدام الثقة شبه التامة في الجيش الاسرائيلي، والاعتراف بوجود تصدعات فيه.
وتكمن خطورة هذا المقال في توقيته وفي هوية كاتبه، فهو يصدر في لحظة ما تزال فيها الحرب تقدم داخل اسرائيل بوصفها امتحانا للتماسك العسكري، مع الترويج المفرط لمقولة الجيش الاكثر اخلاقية.
وبعد مقال غال الذي ركز على الجيش وازمة الاخلاق التي سقط فيها، جاء الكاتب البارز جدعون ليفي ليقول في مقال له في هارتس اليوم ان الازمة لم تعد محصورة في سلوك المؤسسة العسكرية، وانما امتدت الى طريقة تعامل المجتمع نفسه مع الحرب والفقد والاستمرار.
وتتجلى خطورة المقال في هذا التوقيت في انه يضع تحت المجهر واحدا من اكثر المواضيع حساسية داخل اسرائيل، وهي الحدود الفاصلة بين الحداد، وتمجيد التضحية، وتطبيع الموت بوصفه جزءا من دورة الحياة القومية.
ولم تقتصر المقالات على حدود المجتمع الداخلي الاسرائيلي، بل تجاوزته الى الضفة الغربية، وكتب المؤرخ الاسرائيلي جدعون افيتال ابستين مقالا نشرته هارتس بعنوان "المذابح، والترحيل، والتهديدات.. هناك شخص مسؤول عن العنف في الضفة الغربية: انه ايال زامير".
وقال افيتال ابستين ان "الارهاب اليهودي مباح تماما"، وان الجنود والشرطة والمستوطنين "يتعاونون لجعل حياة السكان المحليين بائسة".
وحمل رئيس الاركان شخصيا المسؤولية، قائلا: "احملك يا زامير مسؤولية الجرائم التي ترتكب في الضفة الغربية".
واضاف ان الجيش تحت قيادته "يتغاضى عن الظلم في احسن الاحوال، ويرعاه في اسوئها، ويشارك فيه احيانا"، كما يحذر من ان هذا المسار "قد يؤدي الى اتهامات بارتكاب جرائم ضد الانسانية".
وعلى المستوى السياسي والاستراتيجي، تبرز مقالات اخرى تكمل الصورة من زاوية القيادة والقرار.
وفي 19 ابريل، كتب المحلل العسكري في صحيفة اسرائيل اليوم يوآف ليمور ان اسرائيل بعد 925 يوما من القتال "فشلت في تحقيق اي نصر على اي جبهة".
واضاف ان شؤونها باتت تحسم في واشنطن، ووصف تغريدة الرئيس الامريكي دونالد ترمب التي منعت اسرائيل من مهاجمة لبنان بانها "اهانة علنية"، قبل ان يصل الى خلاصته القاسية: اسرائيل "تحول نفسها الى محمية امريكية".
ويتقاطع مقال ليمور مع مقال العقيد السابقة في الجيش الاسرائيلي تاليا لانكري في يديعوت احرنوت الذي نشر امس، والذي قالت فيه ان "نزع سلاح حزب الله لم يكن جزءا من المهمة"، وانه "بدون بعد سياسي، لن يكون لهذه الحرب نهاية حقيقية"، مضيفة ان "الثقة مورد استراتيجي".
وفي اليوم نفسه، نشر اللواء السابق عاموس يادلين، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الاسرائيلية، مع اودي افنتال في القناة 12، مقالا بعنوان "وقف اطلاق النار في لبنان.. الخطوة الصحيحة حتى وان فرضت علينا".
واشار فيه الى ان فرض التهدئة على اسرائيل كان "مشيرا للقلق للغاية، اذ فقدت الحكومة الاسرائيلية فعليا استقلاليتها في اتخاذ القرارات"، مع الاقرار بان وقف النار "خطوة صحيحة من الناحية الاستراتيجية"، وان الجيش "استنفد معظم اهدافه العسكرية".
ويطالب يادلين وافينتال بان تكف الحكومة عن "تضليل الشعب وتقديم وعود عسكرية غير قابلة للتحقيق".
وتربط هذه المقالات بين الخلل الاخلاقي في الداخل الاسرائيلي وبين الاخفاق السياسي في ادارة الحرب.
فمقالات يوآف ليمور وعاموس يادلين وتاليا لانكري تكشف ازمة قيادة رفعت سقف الاهداف، ووسعت الفجوة بين الخطاب والواقع، ودخلت الحرب من دون تصور واضح لنهايتها السياسية.
وتزداد اهمية هذه الانتقادات لانها تاتي بالتوازي مع وقف نار فرض تحت ضغط امريكي، ومع جدل متصاعد داخل اسرائيل حول معنى "الانجاز" وحدود "النصر".







