طهران بين مطرقة العقوبات وسندان القمع بعد الحرب

بينما يسعى الإيرانيون للعودة إلى مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع من القصف والغارات الجوية، تلوح في الأفق مخاوف من تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع استمرار الخلافات حول تمديد وقف إطلاق النار.
وفتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها، وتزدحم الحدائق بأسر وشباب، بينما المقاهي تعج بالزبائن، لكن هذه المشاهد الهادئة تخفي وراءها اقتصادا متداعيا وقلقا متزايدا من حملة قمع جديدة وغضب شعبي من الغارات الجوية.
ويبدو أن الصعوبات التي أدت إلى اضطرابات واحتجاجات واسعة النطاق في يناير الماضي ستزداد حدة، وفقا لـ"رويترز".
وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد دون اتفاق، إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن أن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان لإجراء المزيد من المحادثات.
وقالت فريبا، وهي إحدى المشاركات في مظاهرات يناير: "ستنتهي الحرب، لكن ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام، أخشى أن يزيد الضغط على الناس إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة".
واضافت: "لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه، إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضا".
وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، ودمر البنية التحتية، مما زاد من احتمالات تسريح العمال.
وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز "دون": "أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية".
واضاف: "لن يضع الجيش أسلحته، سيبقون، وسيكون الوضع دمويا ومكلفا دون أمل في مستقبل أفضل".
وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة: "بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات، يمكن أن تكون الأمور أسوأ بالنسبة للإيرانيين، لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئا للغاية، يمكننا التعايش معه".
لكن الإيرانيين الذين تواصلت معهم "رويترز" أبدوا قلقا أكبر بكثير، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفا من الانتقام.
وقالت سارة، وهي مدرسة خاصة: "الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي، لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟".
وقتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير.
وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.
وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيرا من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.
واضاف: "أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحا لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني".
وقال المحلل السياسي الإيراني حسين رسام إنه أصبح واضحا في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجددا، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.
وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساما من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة، وقال رسام: "هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معا، لا مكان يذهبون إليه".
ويخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن، وقال أرجانج، وهو أب لطفلين: "في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحا ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه".
ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت.
وقالت فائزة، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها: "حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة".
وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفا حيال اتهامهم بالخيانة.
واضاف: "هناك الكثير من النار تحت الرماد".







