انتعاش الصناعة الامريكية.. هل الطلب هو المحرك الخفي للنمو؟

في تحول لافت بعيدا عن الجدل السياسي المحتدم حول الرسوم الجمركية التي تبنتها الادارة الامريكية، كشفت بيانات حديثة عن بوادر انتعاش صناعي هادئ تشهده الولايات المتحدة.
اذ يظهر تحسن ملحوظ في اداء المصانع الامريكية من حيث حجم الانتاج والشحنات، على الرغم من استمرار التراجع في عدد الوظائف المتاحة.
ويرى تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال ان هذه الديناميكية لا تتماشى تماما مع الروايات التي يسوقها المؤيدون والمعارضون للسياسات الاقتصادية الحالية، مبينا ان الصناعة تشهد تحسنا ملموسا، لكن ليس بالضرورة للاسباب التي يتم الترويج لها في الخطاب السياسي التقليدي.
واضافت الصحيفة ان منتقدي الرسوم الجمركية قد ركزوا بشكل اساسي على الخسائر في الوظائف، بينما عزا انصار ترمب اي تحسن في القطاع الصناعي الى السياسات الحمائية التي تم تبنيها.
الا ان المحرك الفعلي لهذا الانتعاش، وفقا للتقرير، يكمن في قوة الطلب المتزايد على منتجات امريكية معينة تتمتع فيها البلاد بميزة تنافسية واضحة.
ومنذ كانون الثاني من العام الماضي، انخفض عدد الوظائف الصناعية في امريكا بحوالي 100 الف وظيفة، وهو ما يمثل نحو 0.6% من اجمالي العمالة في القطاع الصناعي، لكن في المقابل، ارتفع الانتاج الصناعي بنسبة 2.3%، كما صعدت الشحنات الصناعية بنسبة 4.2% دون احتساب التضخم، وهو ما يعكس تحسنا حقيقيا في النشاط الصناعي رغم التراجع في التوظيف، على حد تعبير الصحيفة.
وتصف الصحيفة هذا التحول بانه انتعاش متخف، موضحة ان التركيز السياسي والاعلامي غالبا ما ينصب على الوظائف كمؤشر سهل الفهم، في حين ان الانتاج الحقيقي غالبا ما يغيب عن النقاش العام، على الرغم من انه المقياس الاكثر دقة لتقييم صحة القطاع الصناعي.
وبحسب التقرير، تستفيد المصانع الامريكية بشكل مباشر من موجة الاستثمارات الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتي تتطلب مئات المليارات من الدولارات من اشباه الموصلات ومعدات الشبكات وانظمة الطاقة واجهزة التبريد، بالاضافة الى البنية التحتية لمراكز البيانات.
واكد التقرير ان جزءا كبيرا من هذه المعدات يتم تصنيعه داخل الولايات المتحدة، في حين يتم استيراد الجزء الاخر لتكامل سلاسل الانتاج.
وارتفع الانتاج المحلي لقطاع الحواسيب والالكترونيات خلال العام الماضي بنسبة 7.7%، بينما قفزت الواردات في القطاع نفسه بنسبة 40.5%، وهو ما يشير الى ان حجم الطلب الامريكي يتجاوز قدرة المصانع المحلية على تلبيته بمفردها.
كما سجل قطاع الطيران ومعدات النقل اداء قويا، اذ ارتفع الانتاج المحلي بنسبة 28% خلال العام الماضي، وفي الوقت نفسه، اشارت الصحيفة الى زيادة تسليمات شركة بوينغ بنسبة 72% لتصل الى 600 طائرة، وذلك بعد تحسن الانتاج عقب سنوات من القيود المتعلقة بالسلامة والتنظيم.
وفي السياق ذاته، ساهم تصاعد سباقات التسلح على مستوى العالم في زيادة الطلب على الطائرات المقاتلة والصواريخ والمروحيات، وهو ما دعم المصانع الامريكية العاملة في هذا القطاع.
وترى الصحيفة ان هذا النمو جاء مدفوعا بقوة الطلب العالمي وقدرات الانتاج المتوفرة لدى امريكا، وليس بالضرورة نتيجة للرسوم الجمركية، خاصة وان العديد من هذه القطاعات كانت معفاة من هذه الرسوم.
في المقابل، لم تحقق القطاعات التي فرضت عليها حواجز جمركية مرتفعة النتائج المرجوة، ففي قطاع السيارات وقطع الغيار، تراجعت الواردات بنسبة 14%، الا ان الانتاج المحلي انخفض ايضا بنسبة 3%، وهو ما يشير الى ضعف الطلب المحلي او ارتفاع التكاليف.
وفي قطاع الاثاث، هبطت الواردات بنسبة 22%، بينما تراجع الانتاج المحلي بنسبة 3%، وهو ما يعني ان تقليص الواردات لم يترجم تلقائيا الى مكاسب للمصانع الامريكية.
وتربط الصحيفة هذا التراجع بارتفاع اسعار الفائدة وانخفاض انفاق الاسر على السلع المعمرة والمنازل.
وخلصت وول ستريت جورنال الى ان السياسة الصناعية الناجحة يجب ان تتماشى مع الجاذبية الاقتصادية، بمعنى دعم القطاعات التي تتمتع فيها امريكا بمزايا تنافسية حقيقية، مثل اشباه الموصلات والطيران والادوية، بدلا من محاولة اعادة صناعات منخفضة القيمة تعتمد بشكل اساسي على العمالة الرخيصة في الخارج.







