القطن يرتفع عالميا: كيف أثرت الحرب على الأسعار؟

في خضم الأحداث المتسارعة وتداعيات الحرب التي بدأت في 28 فبراير، تصدرت أسعار النفط والغاز عناوين الأخبار، مثيرةً قلق الأسواق العالمية، وكان لمضيق هرمز دور بارز في هذه الصدمة، ومع ذلك، لم يقتصر الأمر على سوق الطاقة، بل امتد ليشمل سلعة زراعية أساسية وهي القطن.
فالقطن، الذي ينتقل من الحقول إلى المحالج ثم المصانع، جزء لا يتجزأ من شبكة عالمية تعتمد على الوقود، النقل، التأمين، والمدخلات الصناعية، وحين أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن الحرب تسببت في أكبر اضطراب لإمدادات النفط، كانت أسواق القطن تستوعب هذه الرسالة بدورها.
قبل اندلاع الحرب، لم تكن أسعار القطن تشير إلى أي ارتفاع كبير، فقد أظهرت بيانات البنك الدولي أن متوسط مؤشر القطن العالمي "كوتلوك إيه" بلغ 1.64 دولار للكيلوغرام في يناير، ثم 1.63 دولار في فبراير من العام نفسه.
وفي السوق الأمريكية الفورية، تراجع متوسط السعر من 60.61 سنتا للرطل في يناير إلى 60.33 سنتا في فبراير، ما يشير إلى حالة من الاستقرار النسبي قبل بداية الحرب.
ولكن مع بداية شهر مارس، تغير المشهد، وارتفع متوسط "كوتلوك إيه" إلى 1.70 دولار للكيلوغرام، بزيادة تقارب 4.3% عن فبراير، وصعد متوسط السعر الفوري الأمريكي إلى 63.56 سنتا للرطل، بزيادة نحو 5.35%.
وكشفت شركة "كوتون إنكوربوريتد" للأبحاث الزراعية عن ارتفاع مؤشر "A" من 75 إلى 82 سنتا للرطل في شهر واحد، كما ارتفع عقد مايو في نيويورك من مستويات قرب 65 سنتا إلى نحو 70 سنتا، وصعد عقد ديسمبر من نحو 69 إلى 75 سنتا للرطل.
لم يشهد القطن ارتفاعا مماثلا للنفط، بل زيادة متوازنة تعكس "علاوة حرب" أكثر من نقص حقيقي في القطن الخام.
وتظهر المقارنة بين القطن والنفط هذا الفارق، حيث قفز مؤشر الطاقة لدى البنك الدولي بنسبة 41.7%، بينما ارتفع متوسط سعر النفط الخام بنحو 40.6%، في حين كانت زيادة القطن أقل بكثير.
وأوضحت وكالة الطاقة الدولية أن الحرب أدت إلى تعطيل تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، وهبطت تدفقات النفط والمنتجات النفطية من نحو 20 مليون برميل يوميا قبل الحرب إلى ما يزيد قليلا عن مليوني برميل يوميا في مارس، بينما قفزت عقود برنت بأكثر من 60% في الشهر نفسه.
واضافت الوكالة أن نحو 25% من تجارة النفط البحرية في العالم كانت تمر عبر هرمز في 2025، وأن ما يقرب من خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية كان يعبره أيضا، وفي ظل غياب بدائل نقل كافية، ارتفعت تكلفة كل ما يعتمد على الطاقة، من تشغيل الحقول إلى شحن القطن.
هنا بدأت الحلقة الثانية من التأثير، وهي مدخلات الإنتاج، وتشير الوكالة نفسها إلى أن أكثر من 30% من تجارة اليوريا العالمية ونحو 20% من تجارة الأمونيا والفوسفات تمر عبر هرمز، وتظهر أرقام البنك الدولي أن سعر اليوريا الفوري ارتفع بنسبة تقارب 53.7%.
وبينت "كوتون إنكوربوريتد" أن آثار الحرب بدأت تتسرب إلى تكاليف الزراعة والنقل، مع صعود حاد في أسعار الديزل الأمريكية بلغ 75% منذ 28 فبراير، وبالنسبة لسلعة زراعية صناعية مثل القطن، تعتبر هذه زيادة كبيرة.
ثم تأتي الحلقة الثالثة، وهي البوليستر، المنافس الأقرب للقطن، فعندما ترتفع أسعار النفط، لا يتأثر النقل وحده، بل ترتفع أيضا تكلفة الألياف الصناعية المشتقة من الطاقة.
ووفقا لكوتون إنكوريوريتد، ارتفعت أسعار البوليستر بنحو 10 سنتات للرطل في أغلب الدول المنتجة الكبرى، في الوقت الذي صعدت فيه أيضا عقود القطن القريبة وعقود ديسمبر بنحو 10 سنتات للرطل بين أوائل مارس وبداية أبريل.
وهنا يتحرك القطن ليس فقط كسلعة زراعية، بل أيضا كجزء من معادلة تنافسية مع الألياف الصناعية، وكلما صار البوليستر أغلى، صار القطن أقل تعرضا للضغط السعري.
لكن السوق الفعلية لم تتحرك بمنطق التكاليف وحدها، بل أيضا بمنطق المال السريع، فبيانات لجنة تداول السلع الآجلة الأمريكية "سي إف تي سي" الأسبوعية أظهرت تحولا كبيرا في مراكز المتعاملين غير التجاريين في عقود "Cotton No. 2".
وهذا يعني أن السوق شهدت تحولا صافيا قدره 77 ألفا و357 عقدا في غضون 5 أسابيع فقط، وهو تحول يشير إلى أن جزءا مهما من صعود القطن لم يكن نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن وحدها، بل أيضا نتيجة إعادة تسعير مالية سريعة للمخاطر، وتغطية مراكز البيع القديمة، وعودة المضاربين بقوة إلى الجانب الصاعد من السوق.
ومع ذلك فإن المبالغة في تفسير الصعود على أنه نقص عالمي في القطن ستكون قراءة غير دقيقة، فوزارة الزراعة الأمريكية قالت في مارس إن مخزونات القطن العالمية المتوقعة لموسم 2025/2026 ستبلغ 76.4 مليون بالة، وهو أعلى مستوى في 6 سنوات، مع إنتاج عالمي متوقع عند 121 مليون بالة واستهلاك غزلي عند 118.6 مليون بالة.
وهذا يعني أن السوق لم تدخل الحرب من موقع شح حاد، بل من موقع عرض وفير نسبيا، ولهذا يبدو ارتفاع مارس أقرب إلى علاوة جيوسياسية فوق سوق مريحة نسبيا في أساسياتها، لا إلى بداية أزمة معروض في القطن الخام نفسه.
في المحصلة، كتب النفط العنوان الكبير للأزمة، لكن القطن كتب هامشها الصناعي الأوضح، سلعة لم تُصب مباشرة في الحقل، لكنها تلقت الصدمة عبر الوقود والشحن والأسمدة والبوليستر والمضاربة.







