ألمانيا: أزمة الميزانية تهدد استقرار ائتلاف المستشار أولاف شولتس

في برلين، تنفس المستشار الألماني أولاف شولتس الصعداء مؤقتاً بعد أن نجح في انتزاع اتفاق "مؤلم" بشأن ميزانية عام 2026، منهياً بذلك أسابيع من المفاوضات المتوترة التي هددت بانهيار ائتلافه الحكومي الثلاثي المعروف باسم "ائتلاف إشارة المرور".
جاءت الأزمة بعد قرار صادم من المحكمة الدستورية العليا في نوفمبر الماضي، قضى بعدم دستورية خطة الحكومة لإعادة تخصيص 60 مليار يورو من أموال ديون جائحة كورونا غير المستخدمة لتمويل مشاريع التحول الأخضر. هذا الحكم أحدث فجوة مالية هائلة في الميزانية قدرت بنحو 17 مليار يورو، وأجبر الشركاء الثلاثة في الائتلاف - الحزب الاشتراكي الديمقراطي (يمين الوسط)، وحزب الخضر (يسار)، والحزب الديمقراطي الحر (ليبرالي مؤيد للأعمال) - على الدخول في مواجهة إيديولوجية حادة.
تسوية صعبة وتنازلات مؤلمة
الاتفاق الذي تم التوصل إليه هو عبارة عن تسوية هشة تعكس الانقسامات العميقة داخل الحكومة. فمن أجل سد الفجوة، تضمنت الإجراءات الجديدة:
- تخفيضات في الإنفاق المناخي: تم تقليص الدعم الحكومي لشراء السيارات الكهربائية بشكل مفاجئ، بالإضافة إلى تخفيضات أخرى في صندوق المناخ والتحول.
- زيادة ضريبة الكربون: سيتم رفع سعر ضريبة الكربون على الوقود الأحفوري المستخدم في النقل والتدفئة بشكل أسرع مما كان مخططاً له، مما سيزيد العبء على المستهلكين.
- تخفيضات في الإنفاق الاجتماعي: سيتم إجراء تخفيضات طفيفة في بعض بنود الإنفاق الاجتماعي، وهو ما أثار حفيظة الجناح اليساري في حزب شولتس.
مستقبل الائتلاف على المحك
رغم أن الاتفاق جنب ألمانيا أزمة حكومية شاملة، إلا أنه ترك جميع الأطراف غير راضية. فقد اضطر حزب الخضر للقبول بتنازلات كبيرة في أجندته المناخية، وهو ما أثار غضب قاعدته الشعبية. من ناحية أخرى، فشل الحزب الديمقراطي الحر، الذي يرفع شعار الانضباط المالي، في فرض تخفيضات أوسع في الإنفاق، واضطر للقبول بزيادات ضمنية في الضرائب.
وتستغل المعارضة المحافظة، بقيادة الاتحاد الديمقراطي المسيحي، هذا الوضع لمهاجمة الحكومة، واصفة إياها بـ"ائتلاف الفوضى" الذي يفتقر إلى رؤية واضحة لمستقبل أكبر اقتصاد في أوروبا.
ويرى المحللون أن هذه الأزمة كشفت عن التصدعات العميقة في بنية هذا الائتلاف غير المتجانس. وبينما نجا شولتس من الانهيار هذه المرة، فإن قدرته على قيادة البلاد بفعالية خلال العامين المتبقيين من ولايته أصبحت الآن موضع شك كبير، حيث من المتوقع أن تستمر الخلافات الإيديولوجية في الظهور مع كل تحدٍ اقتصادي أو سياسي جديد يواجه ألمانيا.







