الحصار البحري: استراتيجية عسكرية واقتصادية عبر التاريخ

كشف الجيش الاميركي عن نيته البدء بفرض حصار بحري شامل على جميع السفن المتجهة من والى الموانئ الايرانية، وذلك اعتبارا من اليوم الاثنين، فيما ذكر ان السفن التي تحمل وجهات اخرى سيسمح لها بالمرور عبر مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي سبق ان هددت ايران باغلاقه جزئيا ردا على ما وصفته بالضربات الاميركية الاسرائيلية.
وياتي هذا الاعلان في اعقاب فشل المفاوضات الاخيرة بين الاطراف المعنية في التوصل الى اتفاق ينهي حالة الحرب القائمة منذ اواخر شهر فبراير.
وبحسب موقع «windward» المتخصص في الشؤون البحرية، فان الحصار البحري يمثل اداة عسكرية واقتصادية استراتيجية، تستخدم بهدف تقييد الوصول البحري الى سواحل دولة او منطقة معينة، وذلك بغرض عزلها وقطع مصادر الدخل والامدادات الاساسية عنها، ويتم تحقيق ذلك من خلال نشر قوة عسكرية مركزة، تتضمن في العادة حاملات طائرات ومدمرات مزودة بصواريخ وسفن انزال، تتولى مهمة مراقبة واعتراض جميع السفن التي تدخل المنطقة او تخرج منها.
واظهرت التحركات الجيوسياسية الاخيرة ان الحصار البحري الشامل قادر على تجميد صادرات النفط لدولة ما، الامر الذي يؤدي الى شل ميزانيتها العامة، ويدفع باتجاه تغيير سياسي، وتعتبر الحصارات الحديثة عمليات استخباراتية متكاملة، اذ يعتمد تنفيذها بشكل كبير على اعتراض السفن ومنع تدفق سلع محددة مثل النفط الخاضع للعقوبات او المخدرات غير المشروعة.
وعلى مر التاريخ، شكلت الحصارات البحرية اداة قوية في السياسة الدولية والحروب والاستراتيجيات الاقتصادية، وقد كان لاستخدامها تاثير كبير في تحديد نتائج صراعات كبرى، واعادة تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي، وفيما يلي ابرز الحصارات البحرية التي تركت بصمات واضحة في تاريخ العالم المعاصر بعد الحرب العالمية الاولى:
شكل الحصار الذي فرضته البحرية الملكية البريطانية على المانيا خلال الحرب العالمية الاولى عاملا حاسما في انتصار الحلفاء، فمن خلال منع الواردات الحيوية، ادى ذلك الى نقص حاد في الغذاء والمواد الاساسية، وتفاقم سوء التغذية.
وقد اثار هذا الحصار، في اطار «الحرب الشاملة»، نقاشات قانونية وانسانية واسعة حول معاناة المدنيين خلال النزاعات، كما كانت السيطرة البحرية من ابرز نقاط التفوق البريطانية في تلك الحرب.
وخلال الحرب العالمية الثانية، نفذت الغواصات التابعة للبحرية الاميركية حصارا مدمرا ضد اليابان عبر استهداف طرق الشحن التجاري، وقد ادت هذه الاستراتيجية الى قطع الامدادات الحيوية من الوقود والمواد الاساسية، ما اضعف المجهود الحربي الياباني بشكل كبير.
ولعبت هذه العمليات دورا محوريا في هزيمة اليابان، كما عكست تقدما ملحوظا في تقنيات الحرب تحت الماء.
وفي عام 1948، فرض الاتحاد السوفياتي حصارا على برلين الغربية، قاطعا جميع طرق الوصول البرية والمائية الى المدينة، في محاولة لاجبار الحلفاء الغربيين على الانسحاب منها، في واحدة من اولى المواجهات الكبرى في الحرب الباردة، ورد الحلفاء بتنظيم جسر جوي الى برلين، زود المدينة بالامدادات لمدة تقارب عاما كاملا.
وانتهى الحصار في 12 مايو 1949، لكن التوتر بين الشرق والغرب استمر في التصاعد.
وفي اكتوبر 1962، وخلال ازمة الصواريخ الكوبية، فرضت الولايات المتحدة «حظرا بحريا» على كوبا لمنع السفن السوفياتية من ايصال مكونات الصواريخ، وقد شكل هذا الاجراء اقرب لحظة وصل فيها العالم الى حافة حرب نووية، اذ كان التحكم بالملاحة البحرية عنصرا محوريا في ادارة الازمة.
وكان قرار الرئيس الاميركي السابق جون اف كينيدي، استخدام مصطلح «حجر صحي» بدلا من «حصار»، خطوة مدروسة لتفادي التداعيات القانونية التي قد تفسر بوصفها اعلان حرب.
وخلال الحرب الهندية الباكستانية عام 1971، فرضت البحرية الهندية حصارا شاملا على موانئ باكستان الشرقية، ما ادى الى قطع الامدادات وعزل القوات الباكستانية.
واسهمت هذه الخطوة، الى جانب الضربات الجوية التي انطلقت من حاملة الطائرات «INS Vikrant»، في اضعاف القدرات العسكرية لباكستان بشكل كبير.
ولعب الحصار دورا حاسما في تسريع نهاية الحرب، مؤكدا اهمية السيطرة البحرية في النزاعات الاقليمية.
وفي عام 2007، وبعد سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة، فرضت اسرائيل حصارا شاملا قيد حركة البضائع والاشخاص من والى القطاع.
وادى هذا الحصار الى تحديات انسانية كبيرة، شملت نقصا حادا في السلع الاساسية، وازمات اقتصادية، وصعوبة في الحصول على الامدادات الطبية.
وقد اثار الوضع تدقيقا دوليا واسعا وجدلا مستمرا حول قانونية الحصار وتاثيراته الانسانية.







