البرلمان الجزائري يقر قانون تجريم الاستعمار بعد تعديلات مثيرة للجدل

في خطوة تشريعية مهمة، أقر مجلس الأمة الجزائري، الغرفة العليا للبرلمان، بشكل نهائي مشروع قانون تجريم الاستعمار، وذلك بعد إدخال تعديلات عليه، وجاء ذلك عقب نقاشات مطولة في أبعاده السياسية والتشريعية والتاريخية.
وبذلك يكون البرلمان الجزائري قد أنهى جدلا حادا استمر بين غرفتيه لأكثر من أربعة أشهر حول مواد مثيرة في مشروع القانون، وطرح النص في وقت بلغت فيه الأزمة الدبلوماسية مع باريس ذروتها، ووظفته الجزائر في سياق ردودها على ما اعتبرته استفزازات من جانب الدولة المستعمرة سابقا.
ومن أبرز التعديلات التي اعتمدها أعضاء المجلس إعادة صياغة المادة التاسعة من المشروع عبر حذف عبارة والاعتذار عن جرائم الاستعمار، ووصف مراقبون هذه الخطوة بأنها فرصة للمناورة القانونية والقضائية، وتسعى الجزائر من خلالها لانتزاع اعتراف فرنسي رسمي بجرائم الحقبة الاستعمارية، وتجاوز العقبات التي قد تعترض المسار الدبلوماسي الهادف إلى دفع باريس إلى الإقرار بمسؤوليتها عن احتلال الجزائر بين عامي 1830 و1962 بوصفه جريمة ضد الإنسانية.
وكان المجلس الشعبي الوطني، الغرفة البرلمانية السفلى، قد صادق على المشروع في ديسمبر 2025، وشهد هذا الظرف تصاعدا في التوترات مع فرنسا، وتأججت هذه التوترات في يوليو 2024، إثر إعلان الإليزيه اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء، واعتبر مشروع القانون هذا حلقة من حلقات هذا التوتر.
ويهدف النص التشريعي أساسا إلى التعامل مع الاستعمار بوصفه جريمة دولة، وتثبيت ذلك قانونيا، مع توثيق الانتهاكات مثل القتل والتعذيب والتهجير والتجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر بين عامي 1960 و1966.
وفي صيغته الأولى، تضمن القانون مطالب واضحة موجهة لفرنسا، وأبرزها تقديم اعتذار رسمي عن جرائم الاستعمار ودفع تعويضات مادية شاملة للضحايا، ولكن لما أحيل إلى الغرفة البرلمانية العليا في مارس الماضي، بغرض المناقشة والمصادقة، تم حذف بندي الاعتذار والتعويض بعد خلافات داخل البرلمان.
وفهم من هذه الخطوة أن الجهات العليا في البلاد هي من أمرت بصيغة منقحة للنص، وذلك للحفاظ على خط الرجعة في العلاقة مع فرنسا، بمعنى أن الرئاسة في البلاد ارتأت أنه ما زالت هناك فرصة لتحسين العلاقات مع باريس، وأن قانون التجريم كان سيقضي عليها.
كما أعيدت صياغة البند 28 لضمان تصنيف الاغتصاب والاستعباد الجنسي بوصفها جرائم لا تسقط بالتقادم، ويعد إدراج الاستعباد الجنسي تحديدا سابقة قانونية تملأ فراغا تشريعيا دام طويلا، حيث كان التعامل مع هذه التجاوزات يقتصر سابقا على الطروحات التاريخية والمنشورات الصحافية.
أما فيما يخص تعاون جزائريين مع الجيش الفرنسي، فقد وصف في المادة السابعة بأنه خيانة بدلا من خيانة عظمى كما ورد في الصيغة الأولية.
وعلى الرغم من تخلي الجزائر عن تفصيل الاعتذار في النص القانوني، فإن حدة الأزمة لم تنحسر، بل تضاعفت في الأيام الأخيرة إثر اتهام باريس بارهاب الدولة من طرف رئيس النيابة الفرنسية المتخصص في قضايا الإرهاب أوليفييه كريستن، وكان يشير ضمنا خلال حوار صحافي إلى قضية خطف واحتجاز اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص المقيم في فرنسا بوصفه لاجئا سياسيا.
وتعود وقائع القضية إلى شهر أبريل 2024، وشهدت تطورا لافتا بحبس موظف قنصلي جزائري بباريس بعد اتهامه باختطاف بوخرص الشهير بـ أمير دي زاد، والأسبوع الماضي مدد القضاء الفرنسي حبسه لسنة أخرى، الأمر الذي أثار سخطا شديدا لدى الجزائريين.
وبخصوص الاتهام بارهاب الدولة، الذي طال أيضا إيران وروسيا، فقد أفاد رئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة، وهو أحد أبرز الحلفاء السياسيين للرئيس عبد المجيد تبون، في بيان الأحد، بأن تصريحات كريستين ادعاء خطير يمثل سقطة قانونية وسياسية كبيرة تعكس خلفيات استفزازية حاقدة.
وندد بن قرينة بما وصفه بأنه تطاول سافر يمس بسيادة مؤسسات الدولة الجزائرية، وموقف عدائي يندرج ضمن سلسلة محاولات يائسة للتشويش على الحركية الدبلوماسية النشطة للجزائر، وعلى انتصاراتها المحققة على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية.
من ناحية أخرى، دخلت الجزائر مرحلة العد التنازلي للانتخابات التشريعية المقررة في 2 يوليو المقبل، وذلك بصدور القانون المحدد للدوائر الانتخابية وعدد المقاعد البرلمانية في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، ويأتي هذا النص التشريعي قبل ثلاثة أشهر من موعد الاقتراع، ليضع القواعد النهائية للتنافس على مقاعد المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة.
ووفقا للمادة الثالثة من القانون، اعتمد المشرع الجزائري مبدأ التناسب السكاني قاعدة أساسية لتوزيع المقاعد، استنادا إلى نتائج آخر إحصاء رسمي، وبموجب هذا النظام يخصص مقعد برلماني لكل حصة ديمغرافية قوامها 120 ألف نسمة، مع منح مقعد إضافي عن كل فائض عددي يتجاوز 60 ألف نسمة.
وفي خطوة لضمان تمثيل المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة، اشترط القانون ألا يقل تمثيل أي ولاية عن مقعدين، وهو إجراء استفادت منه 21 ولاية يقل عدد سكانها عن 200 ألف نسمة، من إجمالي 69 ولاية تشكل الخريطة الإدارية للبلاد، أما الجالية الوطنية بالخارج فقد حافظت على ثقلها السياسي بتخصيص 12 مقعدا لتمثيلها في الغرفة السفلى.
وأظهر جدول توزيع المقاعد تباينا يعكس الثقل الديمغرافي للمدن الكبرى، حيث تصدرت العاصمة الجزائر القائمة بـ 31 نائبا، تليها ولاية سطيف بـ 17 نائبا، ثم وهران بـ 16 نائبا، كما برزت ولايات باتنة والبليدة والشلف وتيزي وزو بوصفها كتلا انتخابية وازنة بـ 11 مقعدا لكل منها، بينما بلغ تمثيل ولايات كبرى أخرى مثل قسنطينة وتلمسان وبجاية 9 مقاعد.
وعلى صعيد الغرفة العليا، حدد القانون آليات تشكيل مجلس الأمة الذي يضم 118 عضوا منتخبا يمثلون الولايات التسع والستين.
واعتمدت المادة السابعة معيارا مزدوجا للتمثيل، حيث يخصص مقعد واحد للولايات التي لا يتجاوز عدد سكانها 250 ألف نسمة، ومقعدان للولايات التي تتخطى هذا النصاب.
وبعيدا عن المسار الانتخابي، يبقى الثلث الرئاسي صمام أمان لتعزيز الخبرات داخل البرلمان، حيث يخول الدستور لرئيس الجمهورية تعيين الثلث المتبقي من الأعضاء من بين الكفاءات الوطنية والشخصيات العلمية والمهنية، وذلك لضمان توازن بين التمثيل الشعبي والخبرة التكنوقراطية في صناعة القرار التشريعي.







