نافذة امل تطل من غزة: مدينة جامعية تنبض بالحياة فوق الركام

في جنوب قطاع غزة، حيث لا تزال آثار الحرب تلقي بظلالها على تفاصيل الحياة، يسعى طلاب الجامعات جاهدين لاستعادة أحلامهم التعليمية، ففي مدينة خان يونس، تظهر مبادرة تعليمية جديدة تبعث الأمل في نفوس آلاف الطلبة الذين انقطعت بهم السبل نحو قاعات الدراسة.
فبعد شهور من الانقطاع القسري الذي حرم عشرات الآلاف من استكمال تعليمهم الجامعي، بدأت ملامح "مدينة جامعية" تتشكل، وقد أطلقتها منظمة "علماء بلا حدود" في محاولة لإعادة الحياة إلى المسار الأكاديمي الذي كاد ينهار تحت وطأة الحرب.
ورغم أن المشروع انطلق بشكل تجريبي، فإن المدينة التعليمية سرعان ما تحولت إلى مساحة نابضة بالحياة، فهي تضم قاعات دراسية مجهزة تستقبل طلبة من الجامعة الإسلامية، يدرسون تخصصات حيوية مثل الطب والتمريض والهندسة، في مشهد يعكس إصرارا لافتا على التمسك بالعلم رغم كل الظروف.
داخل هذه القاعات، التي جُهزت بشاشات ذكية وخدمة إنترنت ومصادر كهرباء ومياه، يجلس الطلبة من جديد، وكأنهم يستعيدون جزءا من حياتهم التي سُلبت منهم، فهي 7 قاعات فقط، لكنها قادرة على استيعاب نحو ألف طالب يوميا، في بيئة تعليمية حرص القائمون عليها أن تكون أقرب ما يمكن إلى الجامعات التي حُرم منها الطلبة، خاصة أولئك الذين تعذر عليهم الوصول إلى شمال القطاع.
ولا تقف المبادرة عند حدود المكان، إذ يؤكد حمزة أبو دقة، رئيس الهيئة التمثيلية للمنظمة في غزة، أن الخدمات المقدمة مجانية بالكامل، ومفتوحة لجميع الجامعات، بحيث تتولى المؤسسات الأكاديمية توفير الطلبة والمحاضرين، بينما تتكفل المنظمة بالبنية التحتية والتجهيزات.
ويضيف أبو دقة أن المشروع يأتي ضمن رؤية أوسع، تعمل من خلالها المنظمة على إنشاء مدارس ميدانية متكاملة، حيث تم إنجاز 70 وحدة دراسية حتى الآن من أصل 300 مدرسة مخطط لها في مختلف مناطق القطاع، في محاولة لسد الفجوة التعليمية التي خلفتها الحرب.
وفي موازاة ذلك، امتدت جهود المنظمة إلى قطاع التعليم العالي، من خلال ترميم مرافق جامعية متضررة، من بينها قاعات في جامعة الأزهر، قبل أن تتبلور الفكرة في إنشاء هذه المدينة الجامعية جنوب غزة.
أما الطلبة الذين عادوا إلى مقاعد الدراسة بعد غياب طويل، فينظرون إلى هذه المبادرة بوصفها أكثر من مجرد قاعات تعليمية، ويقول أحدهم إن الجلوس مجددا في بيئة دراسية "أشعره أخيرا بأنه عاد طالبا حقيقيا"، فيما يرى آخرون أن هذه الخطوة أعادت إليهم الأمل بإمكانية استكمال مسيرتهم الأكاديمية، رغم كل ما فقدوه.
وبين جدران هذه المدينة الوليدة، لا تستعاد الدروس فقط، بل تُرمم أيضا أحلام جيل كامل، يحاول أن يكتب مستقبله من جديد، ولو في مساحة صغيرة وسط الركام.







