القاهرة بعد الغروب: كيف أثر الإغلاق المبكر على حياة المدينة؟

في قلب القاهرة، حيث كانت الأضواء لا تنطفئ، تبدلت الأحوال مع قرارات الإغلاق المبكر، ففي أحد محلات الأحذية الشهيرة بوسط البلد، يعلو صوت البائعين مسرعين لإغلاق الأبواب، بينما يتسابق الزبائن لاقتناء ما يحتاجونه قبل الموعد المحدد، هذا المشهد يعكس واقعا جديدا فرضته تداعيات الحرب وتوقف الإمدادات البترولية.
قبل ساعة ونصف من الموعد المحدد للإغلاق، رصدت جولة في أكثر مناطق القاهرة ازدحاما، كيف تحول وسط المدينة، الذي لم يعتد النوم في مواسم الأعياد، إلى مكان يسوده الظلام والإغلاق المبكر، وتمتلئ الشوارع بالعائلات التي تسرع لشراء مستلزمات العيد، بينما يراقب الآباء ساعاتهم كحكام يترقبون صافرة النهاية.
داخل مجمع طلعت حرب التجاري، تتجول عائلة يوستينا لشراء ملابس العيد، أيام قليلة تفصلهم عن عيد القيامة، لكن فرحة العيد تتلاشى في ظل القاهرة المظلمة، وقالت يوستينا: "لا نشعر ببهجة العيد، ونسرع للبحث عن الملابس قبل الإغلاق، وغالبا ما تغلق المحلات ونحن بداخلها".
في نفس المجمع، يقف شادي، أحد العاملين في محل ملابس، ويقول: "ليس لدينا رفاهية الاعتراض على قرار الإغلاق، وإذا اعترضنا، سندفع الغرامة ونغلق المتجر في النهاية"، ويرى أن الإغلاق الحالي أقل ضررا من إغلاق فترة تفشي فيروس كورونا، مضيفا: "على الأقل يمكن للناس النزول في فترات النهار".
في شارع عدلي، تتفرع شوارع تكتظ بالمحال والمطاعم، حيث الحركة سريعة والجميع يسابق الزمن، حتى الجالسون يتناولون عشاءهم على عجل قبل موعد الإغلاق، ففي مطعم "عيش وملح"، الذي اعتاد أن يبدد عتمة التشديدات الأمنية بإضاءته القوية، اختفى نوره مع قرار الإظلام.
في ممر فيلبس، يستعد الجميع للإغلاق وعلى وجوههم علامات الضيق والهم، ويقف عم سامي، منشغلا بجمع بضاعته وتخزينها داخل كشكه الصغير، ويتذكر أوقاتا أخرى شهدها في الكشك، قائلا: "تحملنا كثيرا مع البلد، وأتذكر عام 1967، كنا نغلق المتاجر عند المغرب، وكل الأيام الصعبة ستمر، المهم أن تبقى البلاد موجودة".
عندما تدق الساعة معلنة التاسعة مساء، يتغير وجه القاهرة، ويحل الظلام محل النور، وتتوقف عمليات البيع والشراء، ويسارع الجميع نحو سيارات الأجرة للحاق بآخر وسيلة مواصلات، بينما تتكدس الناس في الشوارع بانتظار سيارات تطبيقات النقل الذكي.
تغلق المطاعم أبوابها، لكن نيران مواقدها تستمر في تجهيز طلبات التوصيل المنزلي، بينما يستثني القرار الأكشاك والصيدليات والمتاجر الكبيرة من الإغلاق المبكر، ويقول المحامي أيمن عبد العليم إن غرامات أصحاب المحال في وقائع اختراق الحظر كانت الأكثر حضورا في النيابة العامة.
بعد التاسعة، يمتد الظلام من وسط المدينة وحتى ميدان الحسين وشارع المعز، وبرغم استثناء الأماكن السياحية من قرارات الإغلاق، لم تفعّل هذه الاستثناءات على مقاهي الحسين والمعز والمطاعم والمتاجر السياحية في المنطقة، والجميع يشتكي الفراغ والظلام.
في حارة ضيقة بالجمالية، أسدل الليل ستاره، وكذلك المقهى أسدل نصف بابه، وستائر بلاستيكية تحجب أصوات الشيشة، وفي الجمالية فقط، تحاول القاهرة أن تعود منورة بأهلها.







