نزوح بيروت: قلق وخوف يدفع السكان للمغادرة بعد تصاعد الأحداث

تحولت بيروت من عاصمة للأمان إلى مدينة يخيّم عليها الخوف والقلق، فبعد الهجوم الذي استهدف مناطق عدة، ووضع أهلها أمام واقع جديد، لم يعد البقاء خياراً سهلاً، بل مغامرة محفوفة بالمخاطر، وبين من يملك القدرة على المغادرة ومن لا يملك خياراً سوى البقاء، تنكشف صورة مدينة بدأت تفقد الأمان تدريجياً، ويغادرها ناسها بحثاً عن ملاذ أكثر استقراراً.
وبعد القصف الذي استهدف بيروت، قرر عدد كبير من سكانها مغادرتها، لا سيما أن المناطق التي استهدفت تعد مناطق يسكنها ميسورون، وهؤلاء تمكنوا من الانتقال إلى منازل الاصطياف أو شاليهات في مناطق خارج بيروت، لكن ليست للجميع القدرة على المغادرة، إذ تبقى الأزمة أكثر قسوة على من لا يملكون خيارات بديلة، ولا سيما منهم النازحون الذين لجأوا إلى بيروت واستأجروا منازل فيها أو يعيشون في مراكز نزوح، بحيث لم يعد لديهم أي خيار إلا التسليم للقدر.
وفرض هذا الواقع نفسه على قرارات كثير من العائلات، حيث قال محمد السيد، أحد سكان بيروت: منذ بدء الحرب كنت حريصاً على البقاء في بيتي في بيروت لأسباب عدة، أهمها الخوف من أن يدخل غرباء إلى المنزل في غيابنا، أما اليوم ومع التصعيد الذي حصل، لم تعد بيروت آمنة بالنسبة إلينا، وباتت سلامة عائلتي هي الأولوية.
وأضاف: من هنا اتخذت قراري بالانتقال إلى الشمال، حيث أملك بيتاً بانتظار ما ستؤول إليه الأمور.
وتابع: لا نريد أن نعيش لحظات الرعب والخوف التي عشناها، الأمور باتت خارج السيطرة، ولم يعد بيدنا حيلة إلا المغادرة علّنا ننجو، مشدداً على أن الوضع الأمني في بيروت يختلف عن كل المراحل، حتى خلال الاحتلال الإسرائيلي عام 1982 لم تعمد إسرائيل إلى قصف العاصمة على غرار ما تفعل اليوم.
ويروي ماهر (م)، وهو من أبناء بيروت الذين لا يملكون منزلاً خارجها، تجربته قائلاً: منزلنا في منطقة فردان، القريبة من تلة الخياط التي قُصف مبنى فيها، عشنا لحظات رعب لا تُنسى أنا وزوجتي وأطفالي الثلاثة، فانتقلتُ إلى قريب لي كان قد استأجر أحد الشاليهات في منطقة جونية شرق بيروت.
ومتابعا: علّها تكون آمنة أكثر، علماً بأننا بتنا على يقين أنه لم تعد هناك أي منطقة آمنة.
واضاف: السبب فيما آلت إليه الأمور هو اختباء عناصر بين المدنيين، غير آبهين بتداعيات ذلك، لافتاً إلى أن الشخص لم يعد يشعر بالأمان في بيته ومدينته، لأنه لا يعرف من قد يكون في المبنى الذي يسكنه، خصوصاً أنه رغم كل محاولات المراقبة هم يستخدمون هويات مزورة، ما يخرج الأمور عن القدرة على السيطرة.
ويرى الخبير العسكري، رياض قهوجي، أن الخطوط الحمراء سقطت، ولم يعد هناك أي منطقة آمنة لا في بيروت ولا غيرها بالنسبة إلى الإسرائيلي، لافتاً إلى أنه سبق أن نقل عبر عدة جهات إلى المسؤولين اللبنانيين أن الجيش الإسرائيلي سيطارد عناصر وقيادييه، وسيستهدفهم في كل مكان وفي كل المناطق اللبنانية التي يوجدون فيها، محذراً من أن هذا اليوم قد يتكرر في أي لحظة، ويضيف أن الخطوط الحمر الوحيدة هي التي وضعها الأميركي، وهي رفض استهداف البنى التحتية للدولة اللبنانية.
وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي صراحة إثر الهجوم الإسرائيلي: غادر معاقل الإرهاب في الضاحية، وتموضع نحو شمال بيروت وإلى المناطق المختلطة في المدينة، وتوجه لهم بالقول: لا يوجد مكان آمن بالنسبة لكم، سيواصل جيش الدفاع ملاحقتكم والعمل بقوة كبيرة ضدكم أينما كنتم.
وفي المقابل، ترتفع الأصوات في لبنان الرافضة لاستخدام المناطق السكنية، حيث عبّر المكتب السياسي في حزب الكتائب اللبنانية عن استيائه الشديد لتراخي الإجراءات الأمنية التي تسمح باستعمال بعض المناطق ملاذاً لتسلل مسلحين خارجين عن الشرعية، مطالباً في بيان بضرورة انتشار الجيش والقوى الأمنية في مختلف المناطق، وتشديد المراقبة والتدقيق للتأكد من عدم وجود عناصر من تنظيم ميليشيات المحظورة بين المدنيين.
كما جدد المطالبة بضرورة مكاشفة اللبنانيين ومصارحتهم بنتائج التحقيقات في سلسلة الأحداث الأمنية المرتبطة بالحرب، داعياً الدولة إلى وضع الرأي العام أمام الحقائق كاملة ومن دون أي مداراة، بما يعزز الثقة ويمنع تكرار هذه المآسي.







