أرض الصومال وإسرائيل.. رقصة "الاعتراف" على حافة الهاوية الجيوسياسية

لأكثر من ثلاثة عقود، كانت "أرض الصومال" (صوماليلاند) قصة النجاح المنسية في القرن الأفريقي؛ حيث نجحت في بناء نظام ديمقراطي ومؤسسات مستقرة بعيداً عن فوضى مقديشو، لكنها ظلت حبيسة "عزلة دولية" خانقة. اليوم، ومع إعلان إسرائيل اعترافها بهذا الكيان كأول دولة في العالم، يبدو أن الإقليم قرر المقامرة بكل مكتسباته التاريخية مقابل اعتراف قد يكون ثمنه باهظاً ليس على الصومال فحسب، بل على المنطقة العربية بأسرها.
لماذا الآن؟ الدوافع الإسرائيلية الظاهرة والخفية
لا يمكن قراءة القرار الإسرائيلي بمعزل عن التحولات التي فرضتها حرب غزة، والبحث المستمر لتل أبيب عن موطئ قدم استراتيجي يكسر طوق "وحدة الساحات".
1. الجغرافيا السياسية: السيطرة على "عصب العالم" يمنح الاعتراف بـ "أرض الصومال" إسرائيل نفوذاً مباشراً على خليج عدن ومدخل البحر الأحمر. وفي ظل تهديدات الحوثيين المستمرة للملاحة، تسعى تل أبيب لبناء شراكة أمنية واستخباراتية توفر لها "عيوناً" دائمة على الممرات المائية الحيوية، وتطوق خصومها في محور المقاومة عبر تحالفات أفريقية جديدة.
2. صفقة إثيوبيا الكبرى: يأتي الاعتراف كدعم غير مباشر للاتفاق المثير للجدل بين إثيوبيا وأرض الصومال للحصول على منفذ بحري، وهو ما يضع إسرائيل في قلب معادلة التوازن المائي والأمني في حوض النيل والقرن الأفريقي، مما يمنحها أوراق ضغط إضافية في ملفات معقدة مع دول عربية كبرى.
الدافع الخفي المحتمل: هل "أرض الصومال" هي سيناء الجديدة؟
خلف الستار الدبلوماسي، تبرز فرضية أكثر إثارة للقلق والمتمثلة في البحث عن "حل ديموغرافي" لقضية غزة. فمع الرفض المصري والأردني القاطع لتهجير الفلسطينيين، يبدو أن اليمين المتطرف في إسرائيل بدأ بالبحث عن "بدائل خلاقة" خارج الصندوق الجغرافي المباشر.
لماذا قد تكون أرض الصومال خياراً مغرياً لتل أبيب؟
حاجة الكيان الهشة: "أرض الصومال" كيان معزول يبحث عن "شرعية" بأي ثمن. المال والاستثمارات والاعتراف الدولي هي مفاتيح قد تدفع هرجيسا لقبول صفقات ترفضها الدول ذات السيادة المستقرة.
المساحات الشاسعة: يمتلك الإقليم أراضٍ واسعة وغير مأهولة، مما يجعله نظرياً قادراً على استيعاب مئات الآلاف تحت ستار "الهجرة الطوعية" أو "المشاريع الإنسانية".
الغطاء الإسلامي: نقل الفلسطينيين إلى بلد مسلم أفريقي قد يتم تسويقه كحل "تضامني" لتخفيف الضغط الإعلامي والحقوقي، بينما هو في الحقيقة تصفية للقضية عبر "الترانسفير" البعيد.
التداعيات: فتح "صندوق باندورا"
إن دخول إسرائيل إلى هذه المنطقة الحساسة لا يعني مجرد تبادل سفارات، بل هو فتح لـ "صندوق شرور" جيوسياسي؛ فهو ينسف مبادئ الاتحاد الأفريقي القائمة على وحدة الأراضي، ويؤجج الصراعات القبلية والسياسية داخل الصومال الكبير، كما أنه يضع السيادة العربية على البحر الأحمر في مهب الريح.
لقد نجحت "أرض الصومال" لسنوات في تقديم نموذج للاستقرار الاستثنائي، لكن بارتمائها في أحضان الاعتراف الإسرائيلي، فإنها تخاطر بالتحول من دولة ناشئة طامحة إلى مجرد "بيدق" في صراع أكبر منها بكثير. لقد حصلت هرجيسا على الاعتراف الذي طال انتظاره، لكن الثمن قد يكون فقدان السلام الذي بنته بجهدها، أو الأسوأ من ذلك، أن تجد نفسها متورطة في مأساة "الوطن البديل"، لتصبح أرضها مسرحاً لفصل جديد من فصول النكبة الفلسطينية التي لم تكن يوماً طرفاً فيها.







