من غزة الى مصر قصة بيسان تعود الى حضن امها بعد عامين من الفراق

في مشهد مؤثر يجسد الألم والأمل، التقت الأم سندس الكرد بطفلتها بيسان في ساحة مستشفى ناصر بخان يونس، وذلك بعد فراق دام عامين، لتنتهي بذلك رحلة من المعاناة والبحث المضني.
لم يكن هذا اللقاء مجرد لحظة عابرة، بل كان مزيجا من الدموع والذهول، حيث توقف الزمن ليعيد إلى الأم ما سلب منها قسرا، فتأملت ملامح طفلتها الصغيرة، محاولة استيعاب تفاصيل لم تعشها من قبل، بينما كانت بيسان تلمس وجه أمها كأنها تتعرف إليها للمرة الأولى.
لم يكن هذا اللقاء نهاية القصة، بل بداية فصل جديد تحاول فيه سندس استعادة أمومتها وترميم ما كسرته الحرب، وهي تدرك أن الرابط بينهما لم ينقطع يوما، حتى في أقسى لحظات الغياب.
لم تكن بيسان الطفلة الوحيدة التي عادت إلى حضن أسرتها، بل كانت واحدة من بين 11 طفلا نجوا من ظروف قاسية وعادوا إلى أحضان عائلاتهم في قطاع غزة.
بدأت الحكاية في 22 أكتوبر عندما انهار منزل العائلة فوق رؤوس ساكنيه، لتصاب سندس الكرد بجروح بالغة في مختلف أنحاء جسدها، حيث نقلت على وجه السرعة إلى المستشفى الإندونيسي ثم إلى مجمع الشفاء الطبي، وهناك خضعت لعملية قيصرية طارئة وسط القصف وانقطاع الإمكانات، وأنجبت طفلتها دون أن تتمكن حتى من رؤيتها، إذ نقلت الرضيعة الخديجة مباشرة إلى الحضانة بينما أدخلت هي إلى العناية المركزة.
ومع اقتحام المستشفى واشتداد الحصار عليه، جرى إجلاء عدد من الأطفال الخدج بعد توقف الأجهزة، واختفت آثار الطفلة وسط الفوضى، بينما كانت العائلة تعيش فصولا متلاحقة من الفقد.
لكن في مايو ظهر بصيص أمل حين وردت معلومة من أحد الممرضين عن طفلة من غزة في مصر لم تعرف هويتها، ومن خلال سوار الولادة الذي وضعه الممرضون في يدها آنذاك والذي حمل اسم الأم، تكشفت الحقيقة: الطفلة بيسان نقلت مع خدج آخرين إلى مركز رعاية في القاهرة، حيث تلقت العلاج حتى تحسنت حالتها.
قالت الأم سندس: "اليوم هو يوم ميلاد ابنتي الحقيقي حين رأيتها لأول مرة بعد أكثر من عامين من الغياب، شعرت وكأنني أعيش اللحظة متأخرة، لكن بفرح لا يوصف، كنت أعد سنواتها في قلبي وأتخيل ملامحها وأخاف أن تكون قد رحلت دون أن أودعها".
واضافت: "حين التقيت بها أخيرا، لم أستوعب أن هذه الطفلة هي ابنتي التي انتظرتها كل هذا الوقت، نظرت إلى وجهها طويلا وكأنني أحاول استعادة كل ما فاتني من عمرها في لحظة واحدة، كانت لحظة لا تشبه أي شيء بين البكاء والفرح".
وتابعت بصوت يغلبه التأثر: "لم أكن أعلم إن كانت على قيد الحياة أم لا، كنت أعيش بين الأمل والخوف، حتى جاء ذلك الخبر الذي أعادني للحياة من جديد، واليوم بعد أن التقيت بها أشعر أن جزءا مني عاد إلي، كل ما أتمناه الآن أن أبقى بقربها، أن أعوضها عن كل لحظة غابت فيها عني، انتظرت كثيرا وسأبقى متمسكة بها لأن هذا اللقاء هو الحياة التي عادت إلي من جديد".
ويستعيد الزوج مصعب الكرد ذكريات الحرب حين قصف المنزل أمام عينيه، ويروي كيف هرع نحو الركام محاولا إنقاذ من بداخله، بين صدمة المشهد وخوفه على زوجته وجنينه، قبل أن يتمكن المسعفون من نقلها وهي في حالة حرجة.
وأوضح أن الأيام التي تلت القصف كانت الأشد قسوة، بين متابعة حالة زوجته الصحية والبحث عن أي خبر عن طفلته بيسان التي ولدت في ظروف استثنائية ثم اختفت آثارها وسط الفوضى والخوف.
واضاف: "كنت أعيش على أمل ضعيف، أتمسك بأي خبر يدلني على ابنتي إن كانت على قيد الحياة أم لا".
وأضاف: "شكلت معلومة الممرض التي أشارت إلى وجود عدد من الأطفال الخدج من غزة في مصر، مع حديث عن إمكانية إعادتهم إلى القطاع، نقطة تحول في مسار البحث، تعاملت معها كخيط أمل يستحق المتابعة، لتبدأ على إثره رحلة تواصل مكثفة مع الجهات المعنية".
ومع استمرار المتابعة، جاء التأكيد الرسمي للكرد بوجود الأطفال، مما فتح الباب أمام احتمال أن تكون طفلته من بينهم، وتحولت الشكوك إلى يقين تدريجي، حيث تم التأكيد بوجود بيسان من بين هؤلاء الأطفال وهي الآن بين أحضان عائلتها.
واختتم حديثه قائلا: "تلك اللحظة التي اعتقدت فيها أنني فقدت كل شيء، تحولت بعد الانتظار ثم اللقاء إلى بداية قصة أخرى، حين عاد الأمل بوجود طفلتي حية بعد أن ظننت أنها غابت إلى الأبد".
من جانبه، اعتبر درداح الشاعر، أستاذ الصحة النفسية في جامعة الأقصى، أن قصة سندس الكرد تجسد حالة شديدة من القلق والتوتر النفسي الناتج عن الفقد والبعد.
وأضاف أن سندس عانت كل أصناف العذاب، خاصة في ظل الحرب وما صاحبها من أزمات شتتت الشمل وفرقت الأحباب، مما زاد من شعورها بالحزن والألم المستمرين.
وقال "قوة تحملها وصبرها كانا نتيجة ربط الله على قلبها، حيث ظهر الأمل من خلال الإيمان بالله، فتغير شعورها من الألم إلى الأمل، ومن الحزن إلى السعادة، ومن الفقد إلى الرضا".
وأضاف: "عودة طفلتها إلى حضنها كانت بمثابة البلسم الشافي لجروحها، وعوضتها عن كل ما عانته من ألم وحزن، وتعكس قصتها المشاعر العميقة بشكل مؤثر، كما تجسد حالة الألم التي تعانيها الأم الفلسطينية، وهي ليست حالة فردية بل ظاهرة اجتماعية واسعة، خاصة في ظل النزوح والفقد الذي يزيد من معاناتها".
بدوره، يؤكد القانوني الدولي صلاح عبد العاطي أن الظروف التي واجهها الأطفال الخدج في مستشفى الشفاء تمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني وترقى إلى جرائم حرب.
وأوضح أن هذه الممارسات الإجرامية تستدعي من الجهات الدولية مساءلة المسؤولين عن جرائم استهداف المستشفيات والمرضى والأطقم الطبية، وكذلك مأساة الأطفال الخدج الذين توفوا جراء هذه الانتهاكات.
وأشار إلى أن إنقاذ الأطفال الخدج وإعادة بعضهم إلى أحضان ذويهم ليس مجرد حدث طبي أو إنساني، بل رسالة قوية تؤكد قدرة الإرادة الإنسانية على تجاوز أقسى الظروف.
وفي إحاطة صحية حول الموضوع، أفاد الطبيب أحمد الفرا بأن إجمالي عدد الأطفال الخدج الموجودين داخل الحضانات بالمجمع كان 33 طفلا، حيث توفي منهم 5 نتيجة انقطاع الكهرباء وصعوبة نقلهم من مبنى إلى مبنى بسبب القصف والاجتياح.
وقال: "تم إجلاء الأطفال المتبقين وعددهم 28 طفلا من قطاع غزة إلى جمهورية مصر العربية بتاريخ 19 نوفمبر دون أن يعرف ذووهم مصيرهم بفعل الحرب والإبادة، وتوفي منهم 7 أطفال نتيجة ظروف النقل والصعوبات الطبية المصاحبة، وقد عاد 4 أطفال منهم في فترات سابقة من فتح المعبر، وعاد 11 طفلا آخر في 30 مارس ويتبقى حاليا 6 أطفال برفقة ذويهم خارج قطاع غزة وهم بصحة جيدة".
وأكد الفرا حرص وزارة الصحة الفلسطينية على متابعة حالات الأطفال الصحية بشكل مستمر، وتقديم الدعم الطبي اللازم لهم ولأسرهم، مع التأكيد على التحديات الكبيرة التي تواجه الرعاية الصحية للأطفال الخدج في ظل الظروف الإنسانية الصعبة.







