هل يشهد العالم تحولات اقتصادية جذرية مع تصاعد أزمة الطاقة؟

تتجاوز تداعيات الأوضاع الراهنة في منطقة الشرق الأوسط مجرد التقلبات اللحظية في الأسعار، بل تثير أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام الاقتصادي العالمي، وذلك في ظل تزامن أزمة الطاقة مع تحولات مالية وهيكلية واسعة النطاق.
وتظهر البيانات أن تأثير اضطراب تدفقات النفط والغاز لا يقتصر على الأسواق فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة صياغة موازين القوى بين الدول المنتجة والمستهلكة، وإعادة تنظيم حركة رؤوس الأموال على مستوى العالم، في سيناريو يعيد إلى الأذهان التحولات الكبيرة التي شهدها العالم في سبعينيات القرن الماضي.
وتشير صحيفة نيويورك تايمز إلى أن العالم "قد يكون على أعتاب صدمة نفطية كبرى ثالثة"، وذلك في ظل ما وصفه المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، بأنه "أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ".
وتوضح الصحيفة أن آثار هذا الاضطراب بدأت تظهر من خلال نقص الوقود في جنوب شرق آسيا وارتفاع الأسعار عالميا، في حين تبدو تداعيات الأزمة في الولايات المتحدة أقل حدة نسبيا، نظرا لتحولها إلى مصدر صاف للطاقة في السنوات الأخيرة، مما يمنحها قدرة أكبر على استيعاب الصدمات مقارنة باقتصادات أخرى تعتمد على الاستيراد.
وتعيد الأزمة الحالية إلى الواجهة تجربة السبعينيات، حيث أدت صدمة 1973-1974 إلى مضاعفة أسعار النفط أربع مرات، وظهور طوابير طويلة لشراء الوقود، وتسارع التضخم بوتيرة غير مسبوقة.
ويؤكد إدوارد موريس، المسؤول السابق عن سياسات الطاقة في إدارتي الرئيسين الأمريكيين الأسبقين جيمي كارتر ورونالد ريغان، أن تلك الفترة كانت "الأكثر أهمية في إحداث تغيير هيكلي في قطاع الطاقة العالمي"، حيث لم تقتصر آثارها على الأسعار، بل شملت إعادة توزيع النفوذ بين الشركات والدول المنتجة.
وتضيف الصحيفة أن صدمة 1978-1979، التي ارتبطت بالثورة الإيرانية، كانت امتدادا لهذا التحول، حيث عززت انتقال القوة المالية من شركات النفط الكبرى إلى الدول المنتجة، في مسار يبدو أن ملامحه تعود اليوم بشكل مختلف وأكثر تعقيدا.
وتوضح نيويورك تايمز أن إحدى أبرز نتائج تلك الصدمات هي إعادة تشكيل النظام المالي العالمي، حيث "تدفقت الأموال حول العالم بطرق جديدة وعززت مكانة الدولار كعملة محورية".
وتشير إلى أن ما يعرف بـ"الدولارات النفطية"، أي الفوائض المالية التي حققتها الدول المنتجة، أعيد تدويرها داخل الاقتصاد الأمريكي ثم ضخت في الأسواق العالمية، خاصة في الدول النامية، "مما أسهم في تعميق الترابط المالي الدولي"، على حد تعبير الصحيفة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي إيسوار براساد أن الدولار "أصبح أكثر هيمنة في النظام المالي العالمي في السنوات الأخيرة مقارنة بما كان عليه سابقا"، على الرغم من الاضطرابات الحالية، في إشارة إلى استمرار تمركز النظام المالي حوله.
وتشير الصحيفة إلى أن دول الخليج لم تعد مجرد مصدر للطاقة، بل أصبحت لاعبا محوريا في النظام المالي العالمي، ويقول المؤرخ الاقتصادي دانيال يرغين إن هذه الدول "لا تصدر النفط والغاز فقط، بل تصدر رأس المال أيضا".
وتوضح أن صناديق الثروة السيادية الخليجية أصبحت من أبرز المستثمرين في مختلف القطاعات العالمية، من الأسواق المالية إلى المشاريع الكبرى، مما يعزز من تشابك الاقتصاد العالمي ويزيد من حساسيته لأي اضطراب في تدفقات الطاقة.
وتشير الصحيفة إلى أن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من النفط والغاز العالميين، يمثل تطورا بالغ الأهمية في سياق الأزمة الحالية، حيث يسلط الضوء على هشاشة الممرات الاستراتيجية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.
وتوضح أن هذا التطور يعيد طرح تساؤلات حول ما إذا كانت الأزمة الحالية ستؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في أنماط الإنتاج والتجارة، خاصة إذا استمرت لفترة ممتدة.
ويقول الخبير الاقتصادي إيثان هاريس إن "مدة الحرب هي العامل الحاسم"، مضيفا "إذا استمرت لفترة طويلة فسيكون الأمر كبيرا، أما إذا توقفت الآن فقد لا نتحدث عنها العام المقبل".
وفي هذا السياق، تتداخل العوامل الجيوسياسية مع المعطيات الاقتصادية، حيث تتحول أزمة الطاقة من مجرد صدمة في الإمدادات إلى عامل قد يعيد تشكيل موازين القوة المالية والتجارية على مستوى العالم.







