بعد الطلاق: عندما يتحول الأبناء إلى ساحة معركة للانتقام

كشف تقرير حديث صادر عن موقع "داتا باندز" المتخصص في رصد معدلات الطلاق عالميا أن ليبيا ومصر والسعودية تتصدر قائمة الدول العربية الأعلى في نسب الطلاق، وتليها الجزائر والأردن ولبنان وسوريا والكويت والإمارات ثم قطر.
وبالرغم من أن الطلاق قد يمثل حلا للخلافات الزوجية ومشكلات عدم التوافق، إلا أن النزاعات لا تنتهي دائما بانتهاء الزواج، فالخلافات المتعلقة بالانفصال وحضانة الأبناء قد تدفع بعض الآباء إلى تبني سلوكيات مؤذية ومتطرفة بدافع الغضب والرغبة في الانتقام، وغالبا ما يدفع الأطفال الثمن الأكبر.
بعد الطلاق، يعيش الطفل مع أحد الوالدين وغالبا ما تكون الأم بحكم الحضانة، ولكن الصراع لا ينتهي دائما عند هذا الحد، إذ قد تتحول العلاقة بين الشريكين المنفصلين إلى حرب نفسية يستخدم فيها الطفل سلاحا للتأثير ووسيلة للضغط.
وفي هذا السياق، قد يسعى أحد الوالدين لتشويه صورة الطرف الآخر في أعين الطفل من خلال إيهامه بأن والده لا يحبه أو لا يرغب في رؤيته أو أن والدته تعطي الأولوية لعائلتها الجديدة أو أبنائها من شريكها الجديد، مما يحرم الطفل من علاقة طبيعية ومتوازنة مع كلا الوالدين.
ومع مرور الوقت، قد يتحول الطفل تدريجيا من مجرد ضحية إلى طرف داخل المعركة، إذ يدرك أن الانحياز ليس خيارا بل وسيلة للبقاء، ويتعلم كيف يعيد صياغة مشاعره وذكرياته بما يتماشى مع رواية الطرف الأقوى تأثيرا في حياته.
وقد يتبنى الطفل الكراهية آلية دفاع نفسي أو يلجأ إلى الكذب والتظاهر لإرضاء أحد الوالدين وتجنب غضبه، حتى يفقد القدرة تدريجيا على التمييز بين مشاعره الحقيقية وتلك التي لقنت له أو فرضت عليه.
عبر علماء النفس عن هذه الظاهرة بعدة مسميات، ففي ثمانينيات القرن الماضي، صاغ الطبيب النفسي الأمريكي ريتشارد غاردنر مصطلح "متلازمة الاستبعاد الأبوي" بعدما لاحظ حالات لأطفال ينحازون فيها عاطفيا إلى أحد الوالدين تحت تأثير الوالد المنفر.
وفي عام 1995، استخدم المعالج النفسي الأمريكي إيرا توركات مصطلح "متلازمة الأم الخبيثة في الطلاق" وعرفها بأنها نمط سلوكي تلجأ إليه بعض الأمهات عند الخلافات الزوجية أو بعد الطلاق وتهدف من خلاله إلى تشويه صورة الأب أمام الأبناء وتقويض علاقتهم العاطفية به، في محاولة لمعاقبة أزواجهن السابقين أو الانتقام منهم.
لاحقا أعاد توركات النظر في هذا الطرح، ليؤكد أن هذه السلوكيات لا ترتبط بجنس معين، بل قد تصدر من أي من الوالدين، فقد يستغل الأب أو الأم موقعهما الأبوي لزرع اعتقاد خاطئ وصورة سلبية عن الطرف الآخر في ذهن الطفل، بحيث يبدو أحدهما مثاليا والآخر شريرا أو أحدهما قديسا والآخر شيطانا، وفي عام 1999، نشر تحديثا لمفهومه تحت مسمى "متلازمة الأبوة الخبيثة المرتبطة بالطلاق".
وفق موقع "سيكولوجي توداي"، يفضل عالم النفس ريتشارد وارشاك استخدام مصطلح "سم الطلاق" لوصف هذه الظاهرة، ويرى أنها قد تنشأ من مزيج من الغضب الشخصي والرغبة في الانتقام بدافع الألم أو الكبرياء، إلى جانب ضعف القدرة على وضع حدود واضحة في العلاقات.
ويضيف وارشاك أن الوالد المنفر غالبا ما يتصف بسمات نرجسية تمنعه من الفصل بين مشاعره الخاصة واحتياجات طفله، ما يدفعه إلى مواصلة الصراع حتى بعد انتهاء العلاقة الزوجية، عبر شن حملة كراهية ضد شريكه السابق مستخدما أطفاله كأداة للضغط والسيطرة.
غالبا ما يعاني الأطفال الذين يقعون ضحية لهذه الممارسات من أضرار نفسية وعاطفية وسلوكية، وفي دراسة أمريكية نشرت عام 2006 وشملت 38 بالغا تعرضوا لهذه التجربة في طفولتهم، أبلغ المشاركون عن آثار طويلة الأمد، من بينها تدني تقدير الذات والاكتئاب وإدمان المخدرات وصعوبة الثقة بالآخرين، فضلا عن اضطراب علاقاتهم العاطفية وتشوش فهمهم للعلاقات الصحية وغيرها من التحديات النفسية.
كما يشير موقع "ماريلاند للخدمات النفسية" إلى أن العديد من هؤلاء الأطفال المتضررين يصابون بـ"العقلية الانقسامية"، حيث يُنظر إلى أحد الوالدين على أنه مثالي تماما، بينما يصور الآخر بصورة سلبية مطلقة، وهو نمط قد يؤثر سلبا على نموهم العاطفي وتكوين هويتهم.
وقد تظهر على الأطفال أيضا مشكلات أخرى مثل:
- اضطراب الهوية: إذ يشعر الطفل بالحيرة بين والديه وقد يتبنى مشاعر سلبية تجاه الوالد المبعد، ما يربك فهمه للعلاقات الأسرية.
- العزلة الاجتماعية: قد ينسحب الطفل من التفاعلات الاجتماعية خوفا من الصراع أو نظرة الآخرين، ما يضعف مهاراته الاجتماعية.
- التراجع الأكاديمي: قد تؤثر الضغوط النفسية التي يعيشها الطفل على التركيز والتحصيل الأكاديمي، وقد تمتد آثارها إلى مستقبله المهني ورضاه العام عن الحياة.
- رفض العائلة الممتدة: أحيانا تنتقل مشاعر الكراهية إلى أفراد أسرة الوالد المرفوض فيرفض الطفل رؤيتهم أو التواصل معهم.
في حالات نادرة قد تتخذ مشاعر الانتقام بعد الطلاق أشكالا أكثر تطرفا، وهذا ما يعرف بـ "تأثير ميديا"، وهي حالة شديدة الخطورة قد تدفع الأم إلى إيذاء أطفالها أو حتى قتلهم بدافع الانتقام من الزوج السابق، معتقدة أنه يستحق "خسارة كل شيء" بما في ذلك دوره كأب، أو سعيا لتدمير الرابطة التي تربطها به إلى الأبد.
ويعود اسم هذه العقدة إلى شخصية "ميديا" في الأساطير اليونانية التي قتلت أطفالها بعدما هجرها زوجها جايسون من أجل امرأة أخرى، فتحول حبها الشديد وإخلاصها إلى كراهية ورغبة مدمرة في الانتقام.
وما بين الحرمان الأبوي وعقدة ميديا، يؤكد الخبراء أن الحفاظ على قدر من الاحترام المتبادل والمضي قدما عند حدوث الطلاق يظل أمرا بالغ الأهمية لصحة الأطفال النفسية، بينما قد يؤدي استخدام الأطفال كسلاح للانتقام أو ساحة لتصفية الحسابات إلى جروح نفسية عميقة وندوب قد ترافقهم مدى الحياة.







