صدمة التضخم تثير قلق الفيدرالي الاميركي وتؤثر على سياسات واشنطن

تستمر تداعيات التضخم في الولايات المتحدة، الذي يعتبر الأسوأ منذ جيل، ليكمل عامه الخامس هذا الشهر، وما زال يشكل صدمة اقتصادية تؤثر بشكل كبير على النقاشات السياسية وتوجه السياسات الوطنية.
واظهرت البيانات إحباط مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الذين يسعون جاهدين لإعادة معدل زيادة الأسعار إلى هدفهم المحدد بـ 2 في المائة، بعد سلسلة من الإخفاقات.
وعندما أثارت بوادر التضخم المتراجع في بداية جائحة «كوفيد-19» مخاوف من حدوث انكماش خطير في الأجور والأسعار، اعتبر ارتفاع الأسعار بأكثر من 2 في المائة سنوياً في مارس (آذار) 2021 مؤشراً إيجابياً، وكان مسؤولو «الفيدرالي» ينوون تعزيز هذا الاتجاه عبر إبقاء أسعار الفائدة منخفضة.
وقال رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول في مؤتمر صحافي في ذلك الوقت: «نريد التضخم عند 2 في المائة، وليس على أساس مؤقت»، وهو تصريح تحذيري لا يزال يتردد صداه في البنك المركزي، وتوقع المصرفيون أن يظل التضخم أعلى من الهدف خلال ذلك العام، ولكن ليس بفارق كبير، وأنهم سينتظرون قبل محاولة تهدئة الاقتصاد عبر رفع أسعار الفائدة حتى يتأكدوا من استمرارية الارتفاع.
لكن وتيرة التضخم استمرت في التسارع، وبنهاية العام، كان مؤشر أسعار الإنفاق الشخصي (PCE) الذي يستخدمه «الفيدرالي» لتحديد هدفه يرتفع بأكثر من 6 في المائة سنوياً، أي ثلاثة أضعاف الهدف، ولم يبلغ ذروته إلا بعد تجاوزه 7 في المائة في يونيو (حزيران) 2022، وحينها اضطر «الفيدرالي» لمواكبة الوضع عبر سلسلة سريعة وحادة من رفع الفائدة، بينما تجاوز مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) 9 في المائة في الشهر ذاته، وهو أسرع معدل منذ 1981، حين كان «الفيدرالي» يكافح خروج الأسعار عن السيطرة.
فالآثار السياسية والمالية والاقتصادية لهذه الأزمة لا تزال مستمرة.
كان شعار «الناس يكرهون التضخم» شائعاً بين مسؤولي «الفيدرالي» في أثناء تبنيهم سلسلة سريعة من رفع أسعار الفائدة في 2022 للسيطرة على التضخم، على الرغم من إدراكهم أن تشديد الائتمان سيؤدي إلى صعوبات عبر دفع تكلفة المنازل أو السيارات إلى مستويات بعيدة عن متناول بعض المستهلكين، وتعمل السياسة النقدية جزئياً عبر تقليل الطلب برفع تكلفة الاقتراض، ما يخفف الضغط على الأسعار.
وكانت هناك مخاطر أكبر، تتمثل في «هبوط حاد» من التضخم على شكل ارتفاع البطالة أو ركود اقتصادي، وهو ما لم يحدث رغم توقع كثير من كبار الاقتصاديين حدوثه.
والسبب واضح في استعداد مسؤولي «الفيدرالي» لتحمل هذه المخاطر: التضخم بمثابة ضريبة تترك الجميع أسوأ حالاً، وعلى مدار السنوات الست الماضية، قوَّض التضخم معظم زيادات الدخل الشخصي، وضرب الفئات الأقل دخلاً أكثر من غيرها، فالدولار اليوم يعادل نحو 79 سنتاً مقارنة بيناير (كانون الثاني) 2020.
ويرى بعض الاقتصاديين أن حل التضخم هو مزيد من التضخم؛ إذ إن الأسعار المرتفعة ستقتل الطلب في النهاية، ولكن بالنسبة لـ«الفيدرالي»، الحل هو رفع أسعار الفائدة، ورفع سعر الفائدة قصير الأجل يؤدي إلى زيادة تكاليف الاقتراض الأخرى؛ خصوصاً الرهون العقارية.
وبدأت سلسلة رفع الفائدة في 2022 في وقت غير معتاد؛ حيث اعتاد المستهلكون الأميركيون على عقود رهن منخفضة للغاية لأكثر من عقد، أرخص من أي وقت مضى، وكان التحول المفاجئ إلى تكاليف تمويل أعلى بمثابة صدمة، وتلعب التوقعات دوراً كبيراً في الاقتصاد والسياسة، وما زال الجمهور يتكيف مع حقيقة أن «المال الرخيص» انتهى حالياً.
ويضيف ارتفاع سعر الرهن من أقل من 3 في المائة إلى أكثر من 6 في المائة مئات الدولارات إلى المدفوعات الشهرية، ما يثير الإحباط لأولئك الذين لم تعد دخولهم تكفي لشراء منزل.
ومع اجتماع «الفيدرالي» هذا الأسبوع، والمتوقع فيه إبقاء أسعار الفائدة ثابتة، لا تزال الولايات المتحدة تواجه آثار ما اعتبره الاقتصاديون تصادماً بين سلاسل التوريد المقيدة بالجائحة، والطلب الناتج عن تريليونات الدولارات من الإنفاق الفيدرالي خلال جائحة «كوفيد»، وفي الوقت ذاته، يبقى مؤشر التضخم المفضل لدى «الفيدرالي» فوق الهدف بنحو نقطة واحدة عند نحو 3 في المائة، وتظل السياسة النقدية مشددة نسبياً، وقد تحدث صدمة جديدة في الأسعار مع تجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وارتفاع أسعار الغاز إلى أكثر من 3.70 دولار، أي بنسبة تقارب 25 في المائة منذ اندلاع العمليات العدائية في 28 فبراير (شباط).
واستغل الرئيس دونالد ترمب غضب الناخبين من التضخم وارتفاع الأسعار كأداة قوية في حملته لإعادة انتخابه عام 2024، ولا يزال يواجه مخاوف المواطنين بشأن «القدرة على تحمل التكاليف»، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الغذاء وبقاء معدلات الرهن العقاري فوق 6 في المائة، بالإضافة إلى الضغوط المتزايدة لتكاليف الرعاية الصحية والنفقات الأساسية على ميزانيات الأسر، لقد وعد بانخفاض الأسعار، ولكنها لم تتراجع، ونادراً ما تشهد تراجعاً فعلياً في الواقع.







