غموض يلف مصير قيادي بارز في الباسيج وسط تصاعد التوترات

في تطور مفاجئ، تضاربت الأنباء حول مصير غلام رضا سليماني، القيادي البارز في قوات الباسيج الإيرانية، الذراع التعبوية للحرس الثوري، وسط تصاعد حدة التوترات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة.
لم يكن غلام رضا سليماني شخصية معروفة على نطاق واسع في الساحة السياسية الإيرانية، إلا أن نفوذه داخل منظومة الأمن الداخلي كان كبيراً، إذ تولى قيادة قوات الباسيج، التي تعتبر إحدى أهم الأدوات التي يعتمد عليها النظام في ضبط الأوضاع الاجتماعية والأمنية في البلاد، في حين ظلت الكثير من تفاصيل حياته ومسيرته المهنية بعيدة عن الأضواء.
وذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن قائد قوات الباسيج التابعة للحرس الثوري قتل في هجمات أميركية إسرائيلية، فيما كانت إسرائيل قد أعلنت في وقت سابق مقتل سليماني في ضربة استهدفته في طهران.
ولا توجد أي صلة قرابة تربط سليماني بالجنرال قاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري، الذي لقي مصرعه في ضربة أميركية عام 2020، إلا أن الرجلين اشتركا في كونهما جزءاً من شبكة النفوذ العسكري والأمني التي تعتمد عليها الدولة في إدارة صراعاتها الداخلية والخارجية.
وُلد غلام رضا سليماني في منتصف ستينات القرن الماضي في مدينة فارسان بمحافظة جهارمحال وبختياري في غرب إيران، وانخرط في الحياة العسكرية مبكراً، إذ انضم متطوعاً إلى قوات الباسيج عام 1984 خلال الحرب الإيرانية العراقية، وفي تلك المرحلة اكتسبت هذه القوة سمعتها القتالية عبر تكتيك الموجات البشرية الذي استخدمه المتطوعون الإيرانيون لاختراق المواقع العراقية المحصنة.
وتدرج سليماني في صفوف الباسيج على مدى عقود، مستفيداً من طبيعة هذه المؤسسة التي تجمع بين العمل العسكري والتنظيم الاجتماعي والديني، وفي عام 2019 عُين قائداً عاماً لهذه القوة، ليصبح مسؤولاً عن شبكة واسعة تضم مئات الآلاف من الأعضاء والمتطوعين المنتشرين في مختلف أنحاء البلاد.
ولا يقتصر دور الباسيج على الجانب العسكري التقليدي، بل هي بنية متعددة الوظائف داخل النظام الإيراني، فهي تضم وحدات قتالية، وقوات لمكافحة الشغب، وشبكات للمراقبة الاجتماعية، وتعمل هذه القوة في الأحياء والجامعات والمؤسسات الحكومية، وتدير في كثير من الأحيان شبكة واسعة من المخبرين الذين يقدمون معلومات عن النشاط السياسي والاجتماعي داخل المجتمع الإيراني.
وخلال موجات الاحتجاج التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة، كانت الباسيج في الخط الأمامي لعمليات القمع، وغالباً ما يظهر عناصرها بملابس مدنية وهم يهاجمون المتظاهرين ويعتقلونهم أو يقتادونهم بعيداً عن الشوارع، وقد جعل هذا الدور من القوة، ومن قائدها، أحد أبرز رموز القبضة الأمنية للنظام.
وبسبب هذا الدور، فرضت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية عقوبات على غلام رضا سليماني منذ عام 2021، على خلفية تورطه في قمع الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها عام 2009، كما اتهمت وزارة الخزانة الأميركية قوات الباسيج بالمسؤولية عن مقتل مئات الرجال والنساء والأطفال الإيرانيين خلال حملة القمع التي رافقت احتجاجات عام 2019.
وتكرر المشهد في موجة الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في إيران خلال السنوات الأخيرة، عندما خرج آلاف الإيرانيين إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع السياسية والاقتصادية، وقد قُتل الآلاف واعتُقل عشرات الآلاف خلال تلك الأحداث، في واحدة من أعنف حملات القمع منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وداخل بنية النظام، كان سليماني يمثل وجهاً مختلفاً للقوة مقارنة بقادة الحرس الثوري العاملين في الخارج، فإذا كان فيلق القدس يشكل الذراع الخارجية لإيران في الإقليم، فإن الباسيج تمثل الذراع الداخلية الخشنة، فهي شبكة تعبئة اجتماعية وأداة أمنية في الوقت نفسه، تُستخدم لمراقبة المجتمع، وتنظيم المؤيدين، والتدخل الميداني في حالات الاضطراب.
وخلال الأسابيع الأخيرة من الحرب، برز دور الباسيج مجدداً مع تشديد الإجراءات الأمنية داخل المدن الإيرانية، فقد أقامت هذه القوة نقاط تفتيش في طهران ومدن أخرى، وشاركت في عمليات التفتيش والمراقبة، في محاولة لاحتواء أي اضطرابات داخلية محتملة في ظل الحرب والتوتر السياسي.
ويمثل مقتل سليماني، إذا ثبتت تفاصيله الكاملة، ضربة لإحدى أبرز أدوات الضبط الداخلي في إيران، إذ ترتبط قوات الباسيج مباشرة بإدارة الأمن الداخلي ومواجهة الاحتجاجات، فضلاً عن دورها في تعبئة الأنصار ومراقبة المجتمع، ولهذا يحمل استهداف قائدها بعداً رمزياً وعملياً في آن واحد، في لحظة يحتاج فيها النظام الإيراني إلى تماسك مؤسساته الأمنية أكثر من أي وقت مضى.







