صعود الدولار يثير تساؤلات حول بريق الذهب في ظل التوترات العالمية

في خضم التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الاوسط والتي تثير مخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي، يبرز الدولار الاميركي كعملة مستفيدة من الاوضاع الراهنة، اذ ادت الصدمات في امدادات الطاقة الى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 بالمئة وفقا لمؤشر الدولار، الامر الذي يجعله ملاذا امنا في وجه الازمات.
في صلب هذا الارتفاع، تكمن طبيعة الدولار كعملة ملاذ امن لا تضاهى في الاسواق المالية العالمية، ففي اوقات عدم اليقين، وعندما تظهر مخاطر اغلاق ممرات حيوية، يسارع المستثمرون عالميا الى التخلص من الاصول عالية المخاطر والتحوط بالسيولة الدولارية، وبالتالي، فان هذه العقلية التي تركز على الحفاظ على النقد تحول الدولار الى وجهة مفضلة للاموال الخائفة من تقلبات الاسواق، مستمدا قوته من عمق النظام المالي الاميركي وقدرته على استيعاب الصدمات مقارنة باي اقتصاد اخر.
لكن الامر لا يقتصر على كونه ملاذا امنا نفسيا، بل يمتد الى طبيعة التجارة الدولية، فالدولار لا يزال العملة المرجعية لتسعير النفط والغاز عالميا، ومع كل زيادة في اسعار الطاقة نتيجة للصراعات، يرتفع تلقائيا حجم الطلب العالمي على العملة الاميركية، حيث تضطر الدول المستوردة للطاقة، مثل الاقتصادات الاسيوية والاوروبية، الى زيادة مشترياتها من الدولار لتسوية فواتير استيرادها المرتفعة، مما يخلق ضغطا شرائيا مستمرا يرفع من قيمة العملة الخضراء مقابل عملات تلك الدول التي تعاني اصلا من استنزاف احتياطاتها.
في المقابل، شهدت اسواق الذهب تباينا ملحوظا، اذ فشل المعدن الاصفر في استغلال الاضطرابات الجيوسياسية لتعزيز مكاسبه، فبعد ارتفاعه عقب بدء العمليات العسكرية مباشرة من 5296 دولارا الى 5423 دولارا للاونصة، تعرض لعمليات بيع مكثفة ادت الى انخفاض سعره الى 5085 دولارا.
اوضح روس نورمان، الرئيس التنفيذي لشركة ميتالز دايلي لشبكة سي ان بي سي، ان قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة سحبا البساط من تحت الذهب، فالمستثمرون باتوا يجدون في الاصول الاميركية ذات العائد جاذبية اكبر من الذهب غير المدر للدخل في ظل بيئة فائدة مرتفعة.
واضاف نورمان ان ارتفاع اسعار النفط قد يؤدي الى تضخم مطول وربما ارتفاع اسعار الفائدة، في ظل سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات اغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.
وتميل اسعار الفائدة المرتفعة الى زيادة جاذبية الاصول ذات العوائد، مثل السندات الحكومية، مقارنة بالمعادن النفيسة التي لا تدر عوائد، مثل الذهب.
وقال نورمان ان تحركات اسعار الذهب والفضة تبدو ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد بعض التحركات الهائلة التي شهدناها خلال الاشهر القليلة الماضية.
يعزى تفسير اخر الى ان النزاعات تثير موجة بيع مذعورة بين المستثمرين، مما يسبب تدفقا مفاجئا يجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الاسعار، وفقا لعامر حلاوي، رئيس قسم الابحاث في شركة الرمز.
واضاف، في حديثه لسي ان بي سي، انه في حال حدوث ازمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع، وتعاد توجيه الاستثمارات نحو الاصول المناسبة.
من جهتها، تستعرض وكالة الصحافة الفرنسية الاسباب الكامنة وراء صعود العملة الاميركية امام منافساتها في ظل هذه الظروف، ووفقا للوكالة، يرتكز هذا الصعود على 3 ركائز:
يظل الدولار الوجهة الاولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ امن عالي السيولة، حيث يظل العملة الاكثر تفضيلا في التجارة الدولية واحتياطات المصارف المركزية.
الولايات المتحدة بمنأى عن ازمة الامدادات كونها المنتج الاكبر للخام عالميا، حيث لا تستورد سوى 8 بالمئة فقط من احتياجاتها من الخليج، مقارنة بثلثي احتياجاتها من كندا، هذا يجعل الاقتصاد الاميركي مصدرا صافيا للمنتجات النفطية والغاز، مما يعزز ميزانه التجاري ويمنح الدولار حصانة مقارنة بالعملات الاوروبية والاسيوية التي تتلقى ضربات اقوى نتيجة اعتمادها المفرط على نفط الخليج.
من شان ارتفاع تكاليف الطاقة ان يغذي مخاوف التضخم، مما يضطر الاحتياطي الفيدرالي لابطاء وتيرة خفض الفائدة، وهو ما يعزز جاذبية الدولار على حساب الاصول الاخرى.
هذه التطورات تتعارض مع اهداف ادارة ترمب التي تعهدت بخفض اسعار الغاز ودعم صادرات دولار ضعيف، وفي هذا السياق، اكد وزير الخزانة الاميركي سكوت بيسنت في نهاية يناير تمسك الادارة بسياسة الدولار القوي، موضحا ان جوهر هذه السياسة يكمن في تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للنمو عبر سياسات ضريبية وتجارية وتنظيمية تجعل من الولايات المتحدة افضل وجهة لراس المال في العالم، وذلك رغم التذبذبات الاخيرة في قيمة العملة.
في الوقت الذي يرى فيه خبراء ان اراء الادارة تبدو متخبطة بسبب التناقض بين تصريحات ترمب المرحبة بضعف الدولار وسياسات بيسنت، تحذر المحللة المالية كاثلين بروكس من ان جاذبية الدولار قد تتضاءل اذا تفاقم العجز في الموازنة الاميركية نتيجة الانفاق العسكري المتوقع للاشهر المقبلة، مما يضع الادارة امام معضلة حقيقية في ادارة التوازن بين القوة الاقتصادية والواقع الجيوسياسي.







