ثورة الانفصال الرقمي: لماذا يودع الشباب منصات التواصل الاجتماعي؟

تتنامى في الاونة الاخيرة ظاهرة لافتة بين اوساط الشباب والجيل زد تتمثل في اتخاذ قرار حاسم بالابتعاد عن العالم الافتراضي ومغادرة منصات التواصل الاجتماعي بشكل نهائي. هذا التوجه الذي يطلق عليه الباحثون والشباب مصطلح خارج الشبكة جاء نتيجة مباشرة للشعور بالاختناق من المحتوى الرديء وضغوط الاعلانات المستمرة والمقارنات الاجتماعية المحبطة التي باتت تسيطر على الفضاء الرقمي مما دفع الكثيرين للبحث عن متنفس جديد في الواقع الملموس بعيدا عن سطوة الخوارزميات.
واضاف مات ريتشاردز وهو احد الشباب الذين خاضوا هذه التجربة ان الكثيرين باتوا يدركون انهم بحاجة لاستعادة توازنهم النفسي بعد ان تحولت الهواتف الى سجن رقمي دائم. واوضح ان المبادرة التي اطلقها لاقت صدى واسعا حيث تلقى مئات الرسائل من اقرانه الذين يعانون من الارهاق الرقمي ويطمحون الى استبدال هواتفهم الذكية باجهزة بسيطة والعودة الى ممارسة هوايات تقليدية مثل القراءة والاستماع للموسيقى عبر الوسائط المادية واللقاءات المباشرة مع الاصدقاء.
وبينت المؤثرة الامريكية ايما تشامبرلين في سياق متصل ان الرغبة في الانفصال عن الانترنت لم تعد مجرد تصرف فردي بل اصبحت اتجاها عاما بين الشباب الذين سئموا من التواجد المستمر على المنصات. واكدت ان الابتعاد عن العالم الرقمي اصبح اليوم وسيلة اساسية للحفاظ على الصحة العقلية في ظل الضغوط الهائلة التي تفرضها المنصات لتحقيق الربح المادي على حساب راحة المستخدمين النفسية وتجاربهم الانسانية.
واشار استطلاع حديث اجرته شركة ديلويت الى ان نسبة كبيرة من الشباب اقدمت فعليا على حذف تطبيقات التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية بحثا عن حياة اكثر هدوءا. واظهرت تحليلات عالمية ان الوقت الذي يقضيه البالغون في التصفح قد انخفض بشكل ملحوظ مما يعكس تغيرا جذريا في سلوك المستهلكين الذين اصبحوا اكثر وعيا تجاه خصوصيتهم واكثر رغبة في التحرر من قبضة الاعلانات التي تلاحقهم في كل زاوية.
وشدد خبراء سلوك الاجيال على ان العدائية والانقسام الذي تشهده المنصات الرقمية دفع الشباب نحو الانكفاء على الذات والبحث عن مجتمعات واقعية اكثر دفئا. واوضحوا ان الشخص الذي يختار العيش بعيدا عن صخب المتابعات والاعجابات الوهمية يبدو اليوم اكثر ثقة وجاذبية في نظر اقرانه مما يعزز من فرص نجاح هذا التوجه كنمط حياة مستدام بعيدا عن التلوث الرقمي الذي يحيط بنا.
واكدت خبيرة التواصل جوليانا سالغويرو ان هذا التحول لا يعني بالضرورة القطيعة التامة مع التكنولوجيا بل يعني اعادة ضبط العلاقة معها واستخدامها كاداة وظيفية فقط. واوضحت ان الهدف هو استعادة السيطرة على الوقت والتركيز على الانشطة الحقيقية التي تمنح الفرد شعورا بالانجاز بعيدا عن التصفح القهري الذي لا طائل منه سوى تشتيت الانتباه واهدار الطاقة في تفاصيل لا تمس الواقع بصلة.







