تحولات استراتيجية في صادرات النفط العراقي نتيجة التوترات في مضيق هرمز

تواجه العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في أوبك، تحديات كبيرة بسبب النزاع المستمر الذي أدى إلى إغلاق مضيق هرمز، مما يعطل الملاحة في الخليج العربي. وأظهرت الأوضاع الراهنة أن العراق يحتاج إلى استراتيجيات جديدة لضمان استمرارية صادراته النفطية.
يصدر العراق عادة نحو 3.4 مليون برميل من النفط يومياً، ولكن إغلاق هرمز وضع 95 في المئة من هذه الصادرات في موقف صعب. وقد تكبدت الموازنة العراقية خسائر بمليارات الدولارات شهرياً، في ظل الاعتماد الكبير على هذا الممر البحري الحيوي.
في ضوء هذه التحديات، تحولت مشروعات منافذ التصدير البديلة إلى أولوية استراتيجية. فقد تسارعت الجهود لإعادة تصميم خريطة صادرات النفط من خلال تطوير ممرات برية وخطوط أنابيب تصل إلى البحر الأحمر والبحر المتوسط، ما يضمن تقليل الاعتماد على مضيق هرمز. وقد اكتسبت هذه الجهود زخماً إضافياً خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن، حيث ناقش مع المسؤولين الأميركيين ملف «أمن الطاقة وتنويع مسارات التصدير».
نظراً لأن إنشاء الأنابيب العملاقة يحتاج إلى وقت طويل، فقد لجأت بغداد إلى الحلول الأسرع من خلال قوافل الشاحنات والصهاريج البرية. ومنذ أبريل الماضي، بدأ العراق فتح ممرات برية معقدة لتوجيه قوافل صهاريج النفط عبر معبري «الوليد» و«ربيعة - اليعربية»، متجهة نحو ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط. وهذا الممر الجديد يسمح بتجاوز التوترات في مضيق هرمز.
تعاقدت شركة تسويق النفط العراقية على نقل 650 ألف طن شهرياً من زيت الوقود عبر هذه الطريق الفورية. وقد أظهرت البيانات أن صادرات بانياس من زيت الوقود العراقي بلغت 122 ألف برميل يومياً في مايو، وارتفعت إلى 140 ألف برميل يومياً في يونيو، مما يعكس نجاح هذا المسار.
عزز نجاح هذا المسار من عزم الحكومة العراقية على توسيعه، حيث بدأت خطة لنقل 50 ألف برميل يومياً من النفط الخام عبر سوريا. وتعمل دمشق على زيادة الطاقة الاستيعابية لميناء بانياس لاستيعاب التدفقات المتزايدة.
على الرغم من أن هذه الحلول مؤقتة، إلا أنها تُعتبر جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليل اعتماد العراق على مضيق هرمز بشكل دائم. المحور الرئيسي في هذه الاستراتيجية هو إنشاء شبكة من خطوط الأنابيب العابرة للحدود، ما يمنح بغداد منافذ تصدير متعددة ويحد من المخاطر الجيوسياسية.
في هذا الإطار، اكتسب مشروع أنبوب البصرة - العقبة زخماً، حيث أسفرت المباحثات مع وزير الخارجية الأردني عن اتفاق لتسريع الإجراءات التنفيذية لهذا المشروع الذي يمتد لنحو 1600 كيلومتر من حقول البصرة إلى ميناء العقبة. يعد هذا المشروع، الذي تصل تكلفته إلى 18 مليار دولار، من أكبر مشروعات البنية التحتية النفطية في المنطقة.
أيضاً، يحظى مشروع إحياء خط أنابيب كركوك - بانياس، المتوقف منذ عام 1982، بدعم سياسي جديد، حيث تعتبره الولايات المتحدة أحد المسارات الاستراتيجية لتنويع تصدير النفط العراقي. يستهدف المشروع إعادة تأهيل الخط بطاقة تصميمية تبلغ نحو 300 ألف برميل يومياً.
شهدت زيارة رئيس الوزراء توقيع حزمة من الاتفاقيات مع شركات أميركية، بلغت قيمتها الإجمالية نحو 60 مليار دولار، مع تركيز كبير على قطاع الطاقة. وقعت شركة شيفرون ثلاث اتفاقيات مع الحكومة العراقية، تتعلق بتطوير حقول نفطية في الجنوب ودراسة إنشاء شبكة أنابيب جديدة تربط حقول الجنوب بمنطقة الحديثة.
تتجاوز أبعاد هذه المشروعات الاحتياجات النفطية للعراق، حيث تساهم في تعزيز مصالح سياسية واقتصادية لجيرانه. بالنسبة لسوريا، فإن تدفق النفط العراقي يوفر إيرادات موثوقة ويؤمن الخام للمصافي المحلية، مما يساعد في إعادة الإعمار. كما أن المشروع يعزز مكانة الأردن كمرتكز أمني لخطوط الطاقة الدولية.
رغم الزخم السياسي، لا تزال هناك تحديات تواجه التنفيذ، حيث تمر الممرات البرية عبر مناطق نشطة لتنظيم داعش، مما يتطلب إجراءات أمنية كبيرة. كما أن تكاليف الشحن عبر البحر المتوسط قد ترتفع مقارنة بالمسارات التقليدية، مما يعني زيادة زمن الرحلات.
مع ذلك، يرى صناع القرار في بغداد أن تكلفة تنويع منافذ التصدير أقل بكثير من الاعتماد على ممر واحد قد يصبح نقطة اختناق تهدد الاقتصاد.







