السر وراء عدم رضا الناس عن صور السيلفي

يلتقط الأفراد يوميا نحو 212 مليون صورة سيلفي، مما يعني حوالي 77 إلى 78 مليار صورة سنويا. ومع ذلك، يفضل العديد منهم عدم التقاط صور سيلفي لأنفسهم، ويتجنبون الظهور بها في المناسبات الاجتماعية. وقد أظهر بعض الأشخاص رضاهم عن مظهرهم في المرآة أو في الصور التقليدية، إلا أنهم يجدون صور السيلفي مزعجة دون معرفة السبب. بينما يعتقد البعض أن صور السيلفي تجعل وجوههم تبدو أقل جاذبية، يشير آخرون إلى أنها لا تعكس ملامحهم الحقيقية. وتكشف الأبحاث أن هذا الشعور ليس مجرد انطباع شخصي، بل إنه مدعوم بأسباب بصرية ونفسية يمكن تفسيرها علميا.
أضافت الدراسات أن الانزعاج من ملامح الوجه في صور السيلفي ليس شعورا وهميا، بل يوجد خلفه أسباب بصرية حقيقية. فقد أظهرت دراسة بعنوان "تشوه الأنف في الصور الملتقطة من مسافة قريبة: تأثير السيلفي"، نشرت في مجلة "جاما"، أن صور السيلفي تُلتقط عادة من مسافة تقارب 30 سنتيمترا مقارنة بنحو 1.5 متر في صور البورتريه التقليدية. ويؤدي هذا القرب إلى تشوه المنظور، مما يجعل الأجزاء القريبة من العدسة مثل الأنف تبدو أكبر نسبيا. كما تؤكد الدراسة أن الأنف قد يظهر أعرض بنحو 30% لدى الرجال و29% لدى النساء مقارنة بصور البورتريه التي تلتقط من مسافة أكبر.
بينت الأبحاث أن هذا التشوه لا يؤثر فقط على الرضا عن الصور، بل قد يدفع بعض الأشخاص للاعتقاد بأن أنوفهم أكبر أو أقل تناسقا مما هي عليه في الواقع، مما قد يؤثر على رغبتهم في اللجوء إلى جراحات التجميل. وفي سياق آخر، يبدو أن الوجه في صور السيلفي يختلف عما يراه الشخص في المرآة، وهو ما يطلق عليه البعض "وهم الكاميرا". ويرى الباحثون أن هذا الشعور لا يعني بالضرورة أن الشخص أقل جاذبية، بل هو ناتج عن مجموعة من العوامل البصرية والإدراكية.
وذكر الباحثون أنه من أبرز هذه العوامل الاعتياد على صورة المرآة، حيث نرى انعكاس وجوهنا في المرآة يوميا، مما يجعل الدماغ أكثر ألفة وارتياحا لهذه الصورة مقارنة بصورة السيلفي. وأشاروا أيضا إلى عدم تماثل ملامح الوجه، حيث إن معظم الوجوه ليست متماثلة تماما بين الجانبين، مما يجعل الصورة التي تلتقطها الكاميرا مختلفة عن الصورة المعكوسة التي اعتدنا رؤيتها في المرآة، وهو ما قد يخلق شعورا بالغرابة. كما أن اختلاف زاوية التصوير والمسافة يلعبان دورا في ذلك، إذ تُلتقط صور السيلفي عادة من مسافة قصيرة جدا وبزاوية مختلفة عن الطريقة التي نرى بها أنفسنا في المرآة.
في دراسة أخرى بعنوان "المرآة، المرآة على الحائط: تعزيز إدراك الذات عند التعرف على الوجه"، تساءل الباحثان نيكولاس إبلي وإيرين ويتشرتش عما إذا كان الإنسان يرى وجهه كما هو بالفعل أم أن الدماغ يحتفظ بصورة ذهنية أكثر جاذبية لملامحه. وللإجابة، التقط الباحثون صورا للمشاركين، ثم عدلوها رقميا بحيث أصبحت بعض النسخ أكثر جاذبية وأخرى أقل. وعندما طُلب من المشاركين التعرف إلى صورهم، مال كثير منهم إلى اختيار النسخ المحسنة على أنها صورتهم الحقيقية. كما أظهر التحيز نفسه عند التعرف إلى وجوه الأصدقاء، لكنه لم يظهر عند تقييم وجوه أشخاص غرباء.
خلص الباحثون إلى أن إدراك الإنسان لوجهه لا يعتمد على ما تلتقطه العين وحدها، بل يتأثر بالصورة الذهنية التي يبنيها الدماغ عن الذات، وهي صورة تميل إلى أن تكون أكثر إيجابية وجاذبية من الواقع. وعندما تعرض الكاميرا صورة لا تتوافق مع هذه الصورة الذهنية، قد يشعر بعض الأشخاص بأنها لا تمثلهم أو تقلل من جاذبيتهم، على الرغم من أنها قد تكون أقرب إلى مظهرهم الحقيقي. كما أظهرت الدراسة أن هذا التحيز يحدث بصورة تلقائية وغير واعية ويرتبط بتقدير الذات الضمني أكثر من ارتباطه بتقدير الذات المعلن.
إذا كنت تجد صعوبة في الرضا عن صور السيلفي، فلا تتسرع في لوم ملامحك، فالدراسات تشير إلى أن جزءا كبيرا من المشكلة يعود إلى طريقة التصوير وليس إلى شكل الوجه نفسه. ومن أبرز النصائح التي يوصي بها الباحثون: الابتعاد عن الكاميرا قدر الإمكان، فكلما زادت المسافة بين الوجه والعدسة، قل تشوه المنظور. وتشير الدراسات إلى أن مسافة تقارب 1.5 متر تمنح ملامح أقرب إلى الواقع، ويمكن تحقيق ذلك باستخدام عصا السيلفي أو مؤقت الكاميرا. كما ينصح الباحثون بتجربة قلب الصورة أفقيا، حيث أظهرت الأبحاث أن معظم الأشخاص يفضلون النسخة المعكوسة من صورهم لأنها تشبه الصورة التي اعتادوا رؤيتها في المرآة طوال حياتهم، حتى وإن كانت النسخة غير المعكوسة أقرب إلى الطريقة التي يراهم بها الآخرون.
كما يُفضل اختيار العدسة المناسبة إذا كانت متاحة، حيث تمنح العدسات ذات البعد البؤري بين 70 و90 ملم ملامح أكثر طبيعية وأقل تشوها مقارنة بالعدسات الواسعة المستخدمة عادة في كاميرات الهواتف. وأخيراً، يجب عدم المبالغة في تعديل الصور، حيث ربطت مراجعات علمية بين الإفراط في استخدام الفلاتر وتطبيقات التعديل وبين زيادة القلق بشأن صورة الجسد وتراجع الرضا عن المظهر.







