الذهب الأبيض.. الجميد الأردني من تراث البادية إلى العالمية

الكرك – يعتبر الجميد الأردني من أبرز الرموز في المطبخ الوطني، حيث أسس أبناء البادية هذه الصناعة كوسيلة لحفظ منتجات الألبان في ظل ظروف الحياة الصعبة. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الكرات البيضاء إلى جزء لا يتجزأ من الهوية الغذائية الأردنية، حيث يُطلق عليها لقب "الذهب الأبيض"، كرمز أساسي في أشهر الموائد الأردنية، والتي لا تخلو منها المناسبات الاجتماعية والوطنية.
في قرية زحوم بمحافظة الكرك، تُعد هذه المنطقة واحدة من أبرز مراكز إنتاج الجميد في المملكة، حيث تتناقل هذه الصناعة من جيل إلى آخر، محتفظة بأسرارها على الرغم من دخول التكنولوجيا إلى خطوط الإنتاج.
قال محمد مصلح العضايلة، صاحب مصنع لإنتاج الجميد، إن "الجميد ليس مجرد منتج غذائي، بل هو جزء من الهوية الوطنية الأردنية"، مضيفا أنه يُعرف بـ"الذهب الأبيض" لأنه يعد أساس المنسف الأردني، الذي يمثل عنوان الكرم والضيافة. وأكد أن المنسف لا يكاد يخلو من حضوره في أي مناسبة.
وأضاف العضايلة أن صناعة الجميد في عائلته ليست مشروعا تجاريا فحسب، بل هي إرث عائلي توارثته الأجيال، حيث ورثت هذه المهنة عن والدي، وهو ورثها عن والده، مما يجعلها مهنة متوارثة منذ عشرات السنين.
تفرض البيئة البدوية على سكان الأردن قديما البحث عن وسائل لحفظ الألبان لفترات طويلة أثناء الترحال، حيث تم اكتشاف تجفيف اللبن بعد تمليحه، مما أدى إلى ظهور صناعة الجميد التي حافظت على وجودها حتى اليوم رغم تغير أساليب الحياة.
ومع تطور المجتمع الأردني، لم يعد الجميد مجرد وسيلة لتخزين الطعام، بل أصبح عنصرا أساسيا في إعداد المنسف، الذي تحول بدوره إلى رمز ثقافي واجتماعي يجمع الأردنيين في مختلف المحافظات، ويعكس قيم الكرم والتكافل وصلة الرحم.
تعززت مكانة الجميد بعد إدراج المنسف على قائمة التراث الثقافي غير المادي في منظمة اليونسكو، مما جعله واحدا من أبرز عناصر التراث الأردني.
تبدأ رحلة الجميد داخل المصنع من الحليب الطازج الذي يجلبه مربو الأغنام من محيط قرية زحوم، حيث يُستلم ويوزن ثم يُحفظ في خزانات تبريد للحفاظ على جودته قبل التصنيع.
يوضح العضايلة أن الحليب يمر بعدة مراحل دقيقة، تبدأ بتحويله إلى "رائب"، ثم تبريده وخضه بالطريقة التقليدية لفصل الزبدة عن اللبن. وتظل هذه الخطوات تحافظ على جوهر الصناعة القديمة بالرغم من استخدام المعدات الحديثة.
بعد فصل الزبدة، يخضع اللبن لعمليات تعقيم وتجميع حتى ينفصل المصل، ثم يُعبأ في أكياس خاصة ويُكبس عدة أيام للتخلص من الرطوبة الزائدة، قبل أن يُعجن ويُشكل يدويا على هيئة أقراص الجميد المعروفة.
تستمر عملية التجفيف في غرف مخصصة بدرجات حرارة مدروسة، حيث تمتد هذه المرحلة إلى 20 يوما في فصل الصيف، وأحيانا أكثر من شهر في الشتاء.
في الخطوة الأخيرة، تُحول الزبدة إلى سمن بلدي عن طريق طهيها على نار هادئة مع إضافة بهارات خاصة تمنحها نكهتها المميزة. ويضاف جريش القمح الذي يمتص ما تبقى من اللبن والرطوبة والأملاح داخل الزبدة، لتتكون طبقة تعرف محليا باسم "القشدة بالجريشة"، التي تحظى بشعبية كبيرة لدى أبناء البادية.
رغم دخول التكنولوجيا إلى خطوط الإنتاج، يؤكد العضايلة أن هذه التطورات "لم تغير جوهر المنتج بل ساعدت على زيادة الطاقة الإنتاجية والحفاظ على الجودة". ويشير إلى أن الجميد بدأ كعمل يدوي بالكامل، ولكن اليوم أصبحت الماكينات تساعد في التصنيع، مع الحفاظ على الطعم والنكهة والجودة كما هي.
يعتبر العضايلة أن الحفاظ على النكهة الأصلية هو ما منح الجميد الأردني مكانته داخل المملكة وخارجها، مما جعل المستهلكين يبحثون عنه حتى مع انتشار منتجات مشابهة في الأسواق الأخرى.
لم يعد الجميد الأردني مقتصرا على السوق المحلية، بل تجاوز الحدود ليصل إلى مطاعم في دول عدة. حيث يشير العضايلة إلى أن منتجات مصنعه تصل إلى قطر والسعودية والكويت والإمارات، بالإضافة إلى أسواق في أوروبا وأستراليا، قائلا: "أصبح المنسف الأردني معروفا في كثير من دول العالم، ومعه أصبح الجميد مطلوبا".
يعكس هذا الانتشار تحول الجميد من منتج محلي مرتبط بحياة البادية إلى سلعة تحمل الهوية الأردنية في الخارج، ترافق أبناء الجاليات الأردنية والعربية أينما وجدوا.
على الرغم من أن الجميد يصنع من اللبن، فإن قيمته لدى الأردنيين تتجاوز الجانب الغذائي، فهو حاضر في الأفراح والولائم والصلحات العشائرية واستقبال الضيوف، مما يعكس جانبا كبيرا من الثقافة الاجتماعية في المملكة.
يرى العضايلة أن الحفاظ على صناعة الجميد يعني الحفاظ على جزء من الذاكرة الوطنية، مشددا على أن الأجيال الجديدة مطالبة بمواصلة هذه المهنة وتطويرها دون التفريط بأصالتها.
يختتم حديثه بالقول: "الجميد ليس مجرد صناعة، بل رسالة نحملها عن أجدادنا. سنواصل تطويرها حتى يبقى الذهب الأبيض حاضرا على موائد الأردنيين وفي مختلف دول العالم".







